الاثنين، 29 ديسمبر 2014

رحلة إلى الربع الخالي (ج۱۱)

السمك "المُقَوِي" يسبح في الرمال


كتب و صوّر: محمد اليوسفي

(لقد أكلت أنا العبد الفقير من هذا السمك، وكان لذيذا و"مقويا" بدرجة ملحوظة، وكانت الأسماك تسبح في الرمال كما لو كانت تسبح في البحر), هذا نص مقتبس من كتاب لرحالة تركي اسمه أوليا جلبي عُرف عنه الاهتمام بالفلكلور والغرائب، وهو صاحب كتاب من عدة مجلدات بعنوان سياحة نامه يتحدث فيه عن البلدان التي زارها والشعوب التي خالطها. وقد طاف شبه الجزيرة العربية في القرن الحادي عشر الهجري. وفي وصفه لتصرفات مرافقيه من أبناء المنطقة ذكر أنهم يقدمون لكبيرهم سمكا رغم أنهم في عرض الصحراء، مستغربا من ذلك وهو لا يرى أنهارا أو بحيرات!
أيعقل.. سمك يسبح في الرمال؟!
لعلك تشك في امتلاك (ابن جلبي) الحد الأدنى من فضول الرحالة ووضوح الباحث، وإلا لكشف عن حقيقة ما وصفه. وستعرف عزيزي القارئ المقصود بسمك الرمال، وما يقال عن تأثيرات أكله وكيف كان أجدادنا يتخذونه مقويا يشحن الرجال بـ"الطاقة المرغوبة", وكيف يُروج حاليا للنساء خلطات شعبية يدخل في تركيبها (هذا السمك!) بزعم منفعته لعلاج العقم والضعف الجنسي لدى أزواجهن.
أعيد التذكير بأنني بصدد كتابة جزء ضمن سلسلة مقالات عن رحلة إلى الربع الخالي. كتبت في الجزء السابق عن أحد رفاق الرحلة (الشقردي) الخدوم صالح الذي يتمتع بصفات ومزايا تتطلبها طبيعة الرحلات البرية الطويلة. اليوم أتحدث عن مساعده (أيمن), هو أصغر الرفاق سنا, وأقلهم تحدثا ومشاركة في النقاشات, قصير القامة نحيل الجسم خفيف الوزن, لكنه ذو همة عالية, لا يوقفه طوال أيام الرحلة عن الحركة والنشاط والعمل الدؤوب إلا النوم.
في مرحلتي العمرية, أقف خلف أجيال كانت حتى وقت قريب, تنظر إلى المراهقين والشباب أصحاب الأسماء؛ التي لم تعرف سابقا في المجتمع النجدي مثل "أيمن وأمجد وفراس ولؤي...." بنظرة قاصرة تنطوي على صورة ذهنية مؤطرة بأحكام مسبقة عناوينها الانفصال عن التقاليد والموروث أو الليونة والنعومة, وربما يتصور قارئ أن الفاصل بين تلك الأسماء والخشونة وحسن التصرف في المواقف الصعبة مسافة تصل إلى أبعد من المسافة بين شخص يبيت في غرفة بفندق برج الفيصلية وبين آخر ينام في عراء كثبان عروق الخرخير. لم أنظر إلى أيمن بهذه "النظرة النجدية" لكنه فاجأني في الرحلة بتفوقه على أقرانه ومن هم أكبر منه سنا بسرعة البديهة وحسن التصرف في معرفة تفاصيل متعلقة بالحياة البرية وثقافة الصحراء.
في منتصف الرحلة أثناء التوقف في محافظة الخرخير للتزود بالوقود وما هو متاح من الاحتياجات التموينية, جاءني أيمن, وكنت أستقل سيارة بعيدة عنه, يحمل شيئا مضموما في يده بعناية وقال مداعبا هذه هدية. هو خصني بالإهداء لسبب أنني مهتم بالتقاط صور فوتوغرافية لأي كائن فطري يدب على الصحراء لا لشيء آخر!
هدية أيمن نوع صغير من الزواحف التقطت له صورة وأخليت سبيله ليندس وسط الرمال, وهذا النوع أطول من أصبع الرجل البالغ وأسمك منها, وناعم الملمس لكن فيه قوة عجيبة مقارنة بحجمة, وإذا أمسكت به يخيل إليك أنه عبارة عن قطعة من عضلة قوية متماسكة بشدة. وصدّق أو لا تصدّق ما زال هناك من يأكله على خلفية.. هذا ما وجدنا عليه أباءنا وأجدادنا الذين كانوا يعتقدون أنه مقوٍ للباءة بل ولعلاج العقم وضعف الرجال. ولعل هذا هو سمك الرمال الذي قصده (ابن جلبي).
يسمّى هذا الزاحف في المصادر المتخصصة السقنقور, أو الصقنقور عند العوام, كما يعرف؛ لدى سكان مناطق أخرى في المملكة ذات كثبان رملية باسم "الدّسيسة, والدّميسة" لأن له القدرة على أن يندس وسط الرمال, بل يخترقها سريعا ويغوص في جوفها كما لو أنه يسبح, ويعيش وسط هذه البيئة ولهذا قيل عنه "سمكة الرمال". ويتغذى بالحشرات وبعض أجزاء الأعشاب كما يتناول حبيبات الرمل ليستفيد من العناصر العالقة بها.
وفيما يتعلق باتخاذه علاجا ومقويا, فقديما كان هناك من يأكله بعد ذبحه وتنظيفه لحما "طازجا" مطبوخا أو مشويا! أو بتجفيفه مع الملح ثم سحقه, ويباع "مسحوق السقنقور" في محلات العطارة, كما يخلط المسحوق مع العسل ويباع كعجينة. غير ذلك, يستخرج العطارون من شحم هذه السحلية دهناً يستعمل كمرهم, كل ذلك من أجل "الطاقة المرغوبة" واستعمالات أخرى. ولو جربت عزيزي القارئ ولقّمت قوقل كلمتي التداوي بالسقنقور فسوف يحيلك إلى آلاف النتائج منها جزء كبير عبارة عن مواقع ومنتديات نسائية تتواصى وتتطبب للأزواج بالخلطات والمنتجات السقنقورية! وبعضها يوحي لك أن الحديث ليس عن سحلية تافهة بل عن "قوة سنافية" عجيبة!. وقبل التعجل والسخرية والذهاب إلى مصطلحات (خرافات, خزعبلات, جهل, دجل..) فسآتي بما يبعث على الحيرة فأقول: بين يدي مقال يشير إلى فوائد علاجية متعددة لتناول السقنقور والخلطات التي يدخل في تركيبها, نشر في صحيفة محلية كبرى قبل أعوام للأستاذ الدكتور جابر بن سالم القحطاني أستاذ العقاقير والوجه الطبي الإعلامي المعروف. أقتبس أجزاء منه, فقال القحطاني: "الأفضل للتداوي الذكر "يقصد جنس ذكر السقنقور" وذلك فيما يخص تنشيط الباءة، بل الذكر هو المخصوص بذلك وليس الأنثى.. وخصيته أهم ما فيه.. والجزء المستخدم من السقنقور الجزء الذي يلي الرأس وذنبه وشحمه, والوقت الذي ينبغي أن يُصاد فيه هو فصل الربيع فإنه يهيج فيه فيكون أبلغ نفعا.. وعادة الجرعة من مسحوق السقنقور كمنشط للباءة يجب أن لا تتعدى ثلاثة جرامات فهذه الجرعة تقوي آلات ماء الرجل وتزيد في شهوة الباءة وتقوي البدن وتهيج الجماع". انتهى كلامه.
خطر ببالي الآن مشهد كوميدي للممثل حسين عبد الرضا في مسلسلة الأقدار وهو يقدم لسعد الفرج علاجا لعقم الأخير عبارة عن "كبد نمل وبيض ثعابين مع منقار هدد يتيم حول"!.
إذا أصابتك الحيرة بعد الاقتباس الأخير, فاغلق الصفحة وانتظر – إن رغبت – الجزء التالي (ج
۱۲) من رحلة إلى الربع الخالي بعنوان (غاز سام ينفثه ثعبان دفّان)!

الأحد، 28 ديسمبر 2014

رحلة إلى الربع الخالي (ج۱۰)

الحارس حصان إبليس


كتب وصوّر: محمد اليوسفي


بدأت في الأجزاء السابقة من هذه الرحلة بوصفها متناولا مفاهيم تتعلق بالتاريخ والمكان والتضاريس والصيد وعرجت على سرد أحداث ووقائع ربطتها بجوانب تتعلق بالحياة الاجتماعية والثقافية لسكان بعض محافظات هذا الجزء من المملكة (الربع الخالي), أو كما يحلو للبعض تسميته بـ(الربع الغالي).
أنتقل إلى اللطائف والطرائف، وأبدأ بصالح أحد الرفاق في الرحلة، رجل دائم الابتسامة بشوش وخجول لا يُسمع له صوت، وهو من أولئك القلة الذين ينأون عن طقوس التنزه والاستمتاع بالرحلة على حساب خدمة المرافقين وعن طيب نفس، فصالح يجد راحته ومتعته في البقاء داخل المخيم يعد الوجبات ويلبي الحاجات بلا كلل أو ملل، ويساعده في ذلك تمتعه بمزايا خاصة تجعله باستمرار محط أنظار الجميع إذا تطلب الأمر الخبرة في شأن ما، فمن المهارة في قيادة السيارة وسط معترك كثبان متلاطمة من الرمال إلى معرفة التفاصيل في ميكانيكا السيارات وأعطالها والتجهيزات اللازمة للرحلة وليس انتهاء بحسن إدارته للاستعدادات التموينية. صالح يذكرني «بشقردي» آخر من هواة الصيد حفظت عنه أبيات للشاعر حمد السعيد من تكراره لترديدها، فكلما توقفنا للراحة وإعداد الوجبات أنشد:


ربع نشاما بالمواقف رجاجيل

والا الرّدي معنا شحيح محله

وقت المغدّا كل ابوهم شواغيل

ما احد حسب خدمة خويه مذلّه

كبيرهم لا دار ببيض الفناجيل

من خف روحه بينهم زان دلّه


تأكدت أن صالحا كان - طوال ليالي الرحلة - آخر من يهجع بعد أن ينام الجميع، وهو أيضا أول من يستيقظ قبيل الفجر مستقبلا يوما حافلا بالنشاط وأحيانا بالإجهاد. في إحدى الليالي أخّرت عن قصد الموعد المعتاد لنومي، والتأخير هنا يعني أنني لم أنم بعد أن تجاوز الوقت الساعة التاسعة، سألته عن سرّ بقائه مستيقظا رغم أنه أكثرنا نشاطا في النهار وأحوج منا إلى الراحة والنوم الباكر، أخبرني أن ذلك طبع، فقد تعوّد على أن ينام في الأخير ويستيقظ في البداية، ولعل هذا الطبع؛ خلال المبيت في الربع الخالي، لدى من هم على شاكلة صالح في تحمّل المسئولية ينشأ عن هاجس أمني في هذه الصحراء النائية؛ التي لم يكن بعضهم يعرف عنها - قبل سنين - سوى أنها مسرح للمتسللين الذين يغدرون بالصيادين ممن يغامرون في الوصول بسيارات دفع رباعي حديثة تثير أطماع هؤلاء وتدفعهم للسطو. وقد يعود الهاجس إلى (الحَزَابَة) أو الحرص الشديد والمبالغة في تقدير أدق الحسابات لأبسط الأشياء. لكن الحقيقة أن التحوط والأخذ بالاعتبارات الأمنية ينبغي أن يكون هاجسا ملحّا كلما قل عدد السيارات والأشخاص الذاهبين في رحلة طويلة إلى مناطق صحراوية بعيدة عن التجمعات السكانية, ومنها الربع الخالي.


لم أجد داعيا؛ في تلك الليلة، للاستطراد مع صالح في هذا الموضوع، فالهواجس والاحتياطات الأمنية بعد موضوعي الجنّ والثعابين ثالوث تدور حوله حكايات ذات شجون في ليالي البرّيّة، وهي حكايات تنطوي أحيانا على المبالغات والمتناقضات (والأكشن) فيتشعب الحديث ويمتد ساعات على حساب النوم والراحة. قبل أن نتفرق ويذهب كل منا إلى فراشه لمحت حشرة طويلة تشبه نوعا من الجراد النطاط يسميه أهل نجد حصان إبليس. قلت لصالح مداعبا خذ هذا (الحارس) الشخصي لفراشك بعد أن ألتقط له صورة فوتوغرافية، فسوف يدفع عنك أثناء النوم العقارب والعناكب السامة والحشرات الأخرى ويفترسها دون أن يؤذيك.

طلبت من صالح أن يسلط إضاءة المصباح اليدوي على هذه الحشرة الوديعة ويراقبها ريثما أحضر الكاميرة. كنت أصور وصالح يسأل كيف تكون حشرة بحجم الجراد الصحراوي حارسا شخصيا؟



قلت: سأجيبك ولكن إليك أولا معلومات تفسر سر استخدامه حارسا ليليا، فهذا نوع من المفصليات يعرف في المصادر المتخصصة باسم السرعوف، ويسمى عند العوام فرس النبي، والاسم الأخير له جذور إغريقية حيث يسمى النبي، لأنه عادة يقف منتصبا ويطبق أطرافه الأمامية على بعضها كأنه يصلي. وفي بعض الدول العربية يسمى جمل الرسول، ويسميه بعضهم في نجد خطأ (حصان إبليس)، والاسم الأخير يطلق على نوع من الجراد النطاط آكل للأعشاب، وليس هذا السرعوف المفترس الذي يوجد له أنواع صغيرة وكبيرة، وقد يصل طول الكبير إلى عشرة سنتيمترات، ولا يظهر هذا الحارس غالبا إلا في الصيف، وربما كان لدفء الأجواء في الربع الخالي دور في أن نجده تلك الليلة، فقد بلغت درجة الحرارة ونحن في شهر فبراير 31 درجة في ظهيرة أحد أيام الرحلة.

ويوجد فرس النبي غالبا على الأرض، ويبقى أحيانا على الأشجار المشابهة للونه متخفيا عدة أيام، ولا يستخدم الأجنحة للطيران إلا في حالات نادرة. وهذا نوع بلون أخضر (الصورة) يتميز بقدرته على مد أطرافه الأمامية منطبقة أمامه، ويتغذى بالحشرات التي تضرّ الإنسان، ويساعده في الافتراس فك قوي يواجه به دون خوف العناكب والعقارب ويقتلها. ومع ذلك لو جربت التعامل معه فهو وديع، وإذا وضعته على راحة يدك ومددت له طعامه يتجاوب بهدوء ويأكل من يدك، كما يمكن - وهنا مربط الفرس - الاستفادة منه بواسطة ربطه بخيط دقيق بطول لا يتجاوز محيط فراشك كي يبقى جوارك أثناء النوم في الصحراء ليعمل حارسا أمينا فيقف بالمرصاد لبقية الحشرات الأخرى خاصة العقارب والعناكب ويفترسها فيكفيك شرّ أذيتها المحتملة. وواقع الأمر أن في الصحراء أسرار كثيرة للتعايش مع بيئتها ومكوناتها وقسوتها ومخاطرها.


يتبع الجزء (۱۱):
رحلة إلى الربع الخالي.. 
السمك (المقوي) يسبح في الرمال!

رحلة إلى الربع الخالي (ج٩)

قويتوا، والكشكشة


كتب وصوّر: محمد اليوسفي

تعتبر محافظة شرورة أو كما يطلق عليها أهلها (عروس الربع الخالي) واحدة من محافظات إمارة نجران، وتبعد عنها باتجاه الشرق بنحو ٣٥٠كم، وتقع في سهل منبسط، وبالقرب منها منفذ الوديعة الحدودي مع اليمن، ويزيد عدد سكانها بقليل عن اثنين وسبعين الف نسمة، ولا تختلف كثيرا عن المدن الصغيرة في مختلف أرجاء المملكة سواء في نموذج تخطيطها أو في مستوى مرافقها وخدماتها.

تصورت قبيل زيارتي لها أول مرة, من أجل التزود بالاحتياجات التموينية خلال هذه الرحلة إلى الربع الخالي، أن حركة سكانها وايقاع حياتهم اليومية يلفهما الهدوء، ربما بنيت التصور على خلفية أنها تقع في أحضان تلك الصحراء الممتدة الساحرة بسكونها وغموضها. الواقع أن جولة قصيرة أعطت انطباعا مغايرا. توقفت بداية عند اسمها وسألت عن المعنى أو الدلالة فقيل لي تعليل الاسم بسبب وجود حصى في أطراف المنطقة، ولأن القوافل قديما عندما كانت تعبرها تطأ الأبل أرضها فتبعثر بأخفافها الحصى فيضرب بعضه بعضا فيتولد من ذلك شرر، ولهذا أطلق عليها اسم شرورة.

لفت انتباهي في أحد الشوارع نصب أو برج صنع بعناية يتوسطه نحت كلمة (قْوِيْتُوا)، وتلك كلمة للتحية جذورها من قبائل تلك المنطقة. والربع الخالي (عموما) سكنه في الوقت الحاضر (بحسب توثيق كتاب الربع الخالي الصادر عن هيئة المساحة الجيولوجية) القبائل التالية: يام والدواسر وآل مرة والمناصير والمزاريع وآل أبو شامس وبني ياس وآل أبو فلاح والدروع والعوامر والحراسيس والعفار والرواشد وآل كثير والمناهيل والمهرة والصيعر ودهم. وإذا ذكرت محافظة شرورة فأكثر ما يرتبط بها قبيلة الصيعر. وتُغني كلمة (قويتوا) عن المصافحة باليد، وهي تقال للمفرد (قْوِيْتْ) والمعنى الدعاء لمن ألقيت عليه التحية بأن يمنحه الله القوة والسلامة. فيرد (نْجِيْتْ) ومعناها الدعاء للمحيي بالنجاة. وقد سمعت في زيارتي العابرة لشرورة الكلمة تتردد أول مرة بين أصحاب محطة بنزين ثم في محل بقالة في الخرخير، وهذه محافظة صغيرة تبعد عن شرورة شرقا بأكثر من خمسمائة كيلومتر، وتقع في حافة حدود المملكة مع اليمن، ولا يتجاوز عدد سكانها أربعة آلاف نسمة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى موقعها وسط عروق من الكثبان الرملية تعرف باسم عروق الخرخير.

بدا لي أن (قْوِيْتُوا) شعار في شرورة وما حولها مثلما أن (مرحبا تراحيب المطر) شعار في الطائف أو (مرحبا هيل عدّ السيل) في الباحة أو (مرحبا ألف) في مدن وقرى عسير أو (أرحبوا) في نجران، وهكذا. لا شك أن هذه الشعارات تعبّر عن بشاشة أهلها، ولعل تكرار ترديد التحية والترحيب في تخاطب سكان مناطق جنوبي المملكة مظهر للاهتمام بالزوار ومقدمة لإكرام الضيوف. هذه صفة حميدة، لكن ثمة سمة بارزة بين هؤلاء السكان وهي السرعة في كلام الناس في الحديث المتبادل، وهذه السمة تعطي - في تقديري - ايقاعا موسيقيا لطيفا خصوصا إذا ما صاحب الكلام تكرار خصوصية نطق حرف الشاء في لهجة الجنوب ولهجة بعض قبائل شرقي المملكة كضمير لخطاب المؤنث، كأن يقول أحدهم يخاطب أمه: كيف حالش؟ أي كيف حالك؟ مثلما يقال عند سكان وسط المملكة كيف حالس أو حالتس؟ ولهذه اللهجة أصل في لغة العرب، فمصادر اللغة تفيد أن بعض قبائل العرب قديما كانت تُلحق حرف الشين بعد كاف المؤنث عند الوقف، فيقال (هذا الثوب لكش)، أي لكِ، وتضيف قبائل أخرى حرف السين فيقال (هذا الثوب لكس)، أي لكِ، وبسبب اجتماع حرفي الكاف والشين سميت الأولى عند أهل اللغة الكشكشة، وسميت الأخرى بسبب اجتماع حرفي الكاف والسين الكسكسة. وكانت قبائل عربية تكتفي بإبدال كاف المؤنث بحرف الشين أوالسين. ومن قديم الشواهد الشعرية على ذلك قيل:
 
فعيناش عيناها وجيدش جيدها
سوى أن عظم الساق منش دقيق
أي:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
سوى أن عظم الساق منك دقيق

ومن شواهد الشعر الشعبي تلك الابيات الغزلية البسيطة التي أعزوا سبب انتشارها قبل فترة عبر رسائل الجوال وفي منتديات ومواقع الإنترنت إلى تلك الشين التي يضفي تكرارها ايقاعا موسيقيا لطيفا، وهي للشاعر ضيدان بن قضعان العجمي:
 
يا مرحبا ترحيبة كلها لش
تكسيش من راسش اليا حد ماطاش
من قلب مهيوم بحبه صفا لش
يلعب به الغربي اليا سمع طرياش
يفرح اليا منه قال لش كيف حالش
ولولا غلاش وحشمتش كان ماجاش
وان قلتي انه غايتش شف بالش
كنه ملك يا عرب من الطاش للطاش
يا بري حالي وين مالي ومالش
لا والله الا لي ولش لعنبا اللاش
من هامتي لمحزمي لش حلالش
بيتش فديتش واسكني باوسط الجاش
وان ما بلشتي بي وانا فيش بالش
غديت مثل اللي شرى علته كاش
انا في وجه امش وابيش وخوالش
ما جيت لي حاجة واعود على ماش

يتبع: 
رحلة إلى الربع الخالي "الجزء العاشر"
الحارس حصان إبليس

رحلة إلى الربع الخالي (ج٨)

الجنية حَمْدَة وطبول الجن


كتب وصوّر: محمد اليوسفي

المسافر من العاصمة الرياض إلى غرب الربع الخالي يتجه جنوبا إلى السليل ثم يتجاوزها في طريق مسفلت يحاذي سلسلة جبال طويق التي تشكل سدا طبيعيا للجهة الغربية لمحمية عروق بني معارض، وهي المحمية الطبيعية الوحيدة في الربع الخالي، ثم يمر بقرية الفاو الأثرية إلى أن يبلغ مركز ظلماء التابع لإمارة نجران، وبعد ظلماء يصبح أمامه خياران من الطرق المسفلتة، فإما أن يتجه إلى مدينة نجران مباشرة وإذا أراد التوغل في جنوب الربع الخالي يتجه شرقا لمسافة ٣٠٠كم ليبلغ شرورة، أو أن يسلك من ظلماء الطريق الذي يربط السليل بشرورة مرورا بمراكز الخالدية والمنخلي وتماني. ثم بعد شرورة الاتجاه شرقا بنحو ٥٠٠كم إلى محافظة الخرخير التي أخذت اسمها من وقوعها وسط عروق رمال تسمى عروق الخرخير، وهي على حافة الحدود السعودية اليمنية. هذه الطرق تخترق عددا من العروق والشقق (الخبب) في الربع الخالي.
أطرف ما سمعت أن بعض البسطاء كانوا يتوجسون إذا سلكوا - خلال ليالي الصيف - طريق نجران شرورة بسبب ما أشيع أن هناك جنية اسمها (حَمْدَة) تشاكس العابرين بشيئين فإما بإطلاق أصوات متقطعة تشبه أصوات منبهات السيارات، وإما بإطلاق هدير قيل إنه مزيج من قرع طبول مع صراخ جنيات أخريات. سألت ولم أجد إجابة شافية حول ما إذا كانت هذه (خرافة مطورة) مستقاة من المحكيات الشعبية في المنطقة. وقد قيل لي إن الجنية حمدة تعترض أيضا عابري الطريق المسفلت الذي يصل شرورة بالوديعة مرتدية ثوبا طويلا تستر به عيب رجلها التي تشبه ساق الحمار وحافره.
(جنية بساق حمار تعترض قائدي المركبات) عنوان واحد لحكايات نسجت بصيغ مختلفة إبان دخول السيارات إلى المنطقة، وأعتقد أنه لم يعد هناك إلا القليل من البسطاء الذين يرددون مثل هذه الحكايات بنوع من التسليم بصحتها، فلم يدركوا أنها في أحسن الأحوال تزييف إخباري لخيالات (السائقين وكدادة الطريق) الذين كانوا يجهدون أنفسهم بدنيا وذهنيا خلال عبور الصحاري، ورُويت أحلامهم؛ أثناء توقفهم لغفوة، وترددت على أنها وقائع حقيقية. ومع ذلك، فقد يكون في حكاية حمده حقيقة علمية خافية!

الأصوات أو بالأحرى الهدير والطبول أو ما يوصف بأنه صراخ الجنيات في صحراء رملية كالربع الخالي لا يعدو - في تقديري - كونه تفسيرا خرافيا لظاهرة طبيعية تنتج وسط تشكيلات محددة من الكثبان الرملية في أي مكان، تلك هي ظاهرة "عزيف الرمال" أو ما يُعرف عند قدماء العرب بـ"عزيف الجن". وليس المقصود بهذه الظاهرة هفيف الرياح أو صفيرها، فعزيف الرمال أو كما يسميه العوام (طبول الجن) هو أقرب إلى الهدير،، وقد يتعجب منه الذي ليس لديه سابق معرفة بحقيقته، إذ قد يحدث في السكون وانعدام هبوب الرياح، وهو مختلف(صوتا) بعضه عن بعض، إذ تارة يشبه هدير محرك الطائرات المروحية وتارة أخرى صوت صافرات أو أبواق السفن والمراكب البحرية أو هدير الجماهير في ملاعب كرة القدم إذا أطلقت صوتا بنغمة واحدة، وقد يحدث هذا الهدير متصلا مدة ثوان معدودات أو متقطعا، وقد ينطلق فجأة مدويا أو ينساب خافتا متدرجا في الارتفاع إلى أن ينقطع فجأة.
بالعودة إلى مصادر اللغة العربية فإن العَزِيف: صوت في الرمل لا يُدْرَى ما هو، وقيل: هو وقوع بعضه على بعض. وعَزِيف الجنّ جَرْس أَصوات الجن، وقيل: هو صوت يسمع بالليل كالطبل، وقيل: هو صوت الرّياح في الجوّ فتَوهَّمَه أهل البادية صوت الجنّ. قال ذو الرمة:
ورمل عَزِيف الجنّ في عقداته
هدوءاً كتضراب المغنّين بالطَّبل
وقد اشتهرت كثبان محددة في مواقع مختلفة من جزيرة العرب بارتباطها بظاهرة عزيف الجن أو الرمل العزاف أو الرمل الحنان. لكن ثمة تفسير علمي لظاهرة (عزيف الرمال) الذي يحدث بسبب عوامل تتعلق بطبيعة تكوين الرمال وشروط وظروف أخرى محيطة بها. كيف؟
لاحظ الراصدون أن العزيف يحدث في الرمال التي تنهال بشكل طبيعي بسبب ميل الكثيب بزاوية محددة (قيل ان الميل يكون بزاوية ٣٠ درجة) في الجهة المعاكسة لاتجاه هبوب الرياح السائدة حيث يتشكل تكوين رملي دائم نسميه الهيال (الصورة)، وللتقريب هو تكوين لو وطأته بالقدم لانهالت طبقة جافة منه يقدر عمقها بشبر واحد تكون فوق طبقة متماسكة جراء رطوبة الأرض، فتنهال حبيبات الرمل متراكمة إلى أسفل الكثيب، ولا يحدث ذلك إذا كان الرمل متماسكا ومتلبدا جراء هطول الأمطار (تذكّر حكاية حمدة والجنيات في الصيف). وبالإضافة إلى ذلك يشترط استمرار تماسك الطبقة السفلية التي تنزلق عليها قشرة الرمل العلوية، أي إن العزيف ينقطع فور حدوث الانهيارات الرملية، فضلا عن أن حبيبات الرمل لا بد أن تكون مكورة الشكل، بل إن المتخصصين يحددون حجمها فيما بين نصف مليمتر إلى مليمتر واحد، وثمة نظريات مختلفة لتحديد مصدر الصوت بدقة سعيا للإجابة على هل هو نتاج دوران حبيبات الرمل الزجاجي أثناء انزلاقها أوبسبب اصطدامها بالهواء أو لأسباب أخرى بالتأكيد ليس للجن ولا (لحمدة المزعومة) علاقة بها.

يتبع: الجزء التاسع:
 رحلة إلى الربع الخالي.. 
قْوِيتوا والكشكشة

السبت، 27 ديسمبر 2014

رحلة إلى الربع الخالي (ج٧)

اقتحام المجهول بكتاب


كتب وصوّر: محمد اليوسفي


قبل أكثر من ١٧ عاما، ومع بدء انتشار استخدام عامة الناس في المملكة لأجهزة نظام تحديد المواقع العالمي(GPS)، تلك التي تداولوها باسم "الماجلان، والقارمن"، وفي وقت كان جزء صحراوي من شرقي المملكة (الصمان) شبه مجهول لدى كثيرين، ظهر كتاب بعنوان الصمان لمؤلفة سعد الشبانات. الكتاب بحث في تأريخ المكان وأتى بمعلومات من ميدانه ووصف الأجزاء الرئيسة لهذه الهضبة الجميلة وحدد أسماء كثير من مراكزها وفياضها ورياضها ورجومها ورصد إحداثياتها وفقا لنظام تحديد المواقع، ووثّق كل ذلك مستخدما الرسوم والخرائط والصور الفوتوغرافية.
هذا الكتاب؛ ومثله الكتب التي تتفرد بتحقيق أماكن صحراوية تعارف الناس على أنها مجهولة بسبب قلة التجمعات السكانية فيها، نجدها لا تحظى بقبول المتخصصين والبلدانيين والمهتمين فقط، بل هنالك فئات أخرى تتلقفها وتستخدمها كأدلة تساعدها على الوصول إلى براري بكر غنية بأشجارها ومراعيها وأحيائها الفطرية المختلفة. والنتيجة؛ إذا أخذت الصمان مثالا، قبل الكتاب وبعده، أن المكان المعلوم لفئة محدودة من سكان المنطقة أو ملاك الماشية الباحثين عن المراعي الخصبة أصبح غير مجهول لكثيرين ابتداء من عشاق الوقوف على الأطلال والمعالم الأثرية مرورا بمحبي التنزه البيئي وهواة "الكشتات" وليس انتهاء بالمراهقين من ممارسي الصيد، فتوسعت دائرة المرتادين والمتنزهين والصيادين والعابثين والمجازفين أيضا.
وبالتدريج بدأت تختفي؛ جراء الصيد والاحتطاب الجائرين واستنزاف مكونات الطبيعة البرية وتلويثها، الأشجار والمظاهر والأحياء الفطرية الجميلة. ليس هذا فحسب، فقد أصبحنا نتداول تكرار أخبار فقد أبنائنا وموتهم في الصحاري جراء التساهل بالمجازفة في اقتحامها. صحيح أن الطفرة في استخدام الخرائط الرقمية "أو سمّها الدليل الآلي إن شئت" ساعدت على تمكين أي مبتدئ من الوصول إلى أبعد مكان دون الحاجة إلى دليل بشري، وأشاعت الجرأة والمجازفة في اقتحام الصحاري النائية، لكن لا أحد يستطيع إغفال أهمية توافر توثيق حد أدنى من المعلومات عن طبيعة المكان وأسماء أجزائه ومداخله ومخارجه ومدقاته وتضاريسه، وأقصد بالتوثيق ما تحتويه أي وسيلة معتبرة ومتاحة للعامة، وليس المعلومات المنقولة مشافهة عن أي مكان مجهول، فهذه تبقى غالبا في حيز انتشار محدود.
قارن بين قلّة مرتادي الصمان حين كانت المعلومات الموثّقة قليلة وبين كثرتهم بعد صدور كتاب الشبانات بمساعدة عوامل أخرى، ستجد أننا أمام حالة مشابهة فيما يتعلق بالربع الخالي. فمرتادوه قلة (الآن) لكن المتوقع تغير الحال بعد أن خرجت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية بكتاب سيكون "دليلا" مشاعا عنه. فقد صدر كتاب بعنوان "الربع الخالي: بحر الرمال العظيم" تأليف محمد بن أحمد الراشد وعبدالله بن صالح العنيزان، وبمشاركة ومراجعة وتدقيق ستة عشر باحثا ومتخصصا وبإشراف معالي رئيس هيئة المساحة الجيولوجية الدكتورزهير نواب. يقع الكتاب في أربعمائة صفحة من القطع المتوسط. قسّمه المؤلفان إلى أربعة أبواب ضمت عناوين فرعية شملت موقع الربع الخالي ومساحته وتسميته ونشأته وتكوينه ومظاهره الطبيعية والمراكز السكانية التي تقع فيه والطرق والمسالك التي تخترقه وموارد المياه والبيئة الفطرية والثروات الطبيعية التي يكتنزها، إضافة إلى ملاحق أبرزها الخرائط التفصيلية، والمصطلحات المحلية للمظاهر الطبيعية التي تستخدم بين سكان الربع الخالي والمناطق الأخرى في المملكة، هذا فضلا عن رصد 2645 موقعا مصنفة حسب طبيعتها وتضاريسها مع تحديد دقيق لكل موقع حسب دوائر العرض وخطوط الطول "الإحداثيات".
لست بصدد تدوين عرض مفصّل للكتاب أو التنويه بمزاياه أوالاستفاضة بالحديث عنه كنتاج جهد ميداني ضخم، ولست بصدد الإشادة ببراعة المؤلفين في حشد أكبر قدر من المعلومات في أقل عدد من الصفحات خاصة فيما ضمه الباب الرابع المخصص للمظاهرالطبيعية؛ حيث ابتعدا عن "الحشو التجاري" الذي نراه في بعض الإصدارات الأكاديمية، ولست بصدد مقارنة غير منطقية بين كتاب الصمان وبين كتاب الربع الخالي، فالأول نتاج مبادرة وجهد يذكر فيشكر لباحث واحد، والآخر عمل جماعي صادر عن جهة حكومية تملك من الصلات والقنوات والإمكانات والأدوات ما لا يتوافر للباحث المجتهد.
بالتأكيد كتاب الربع الخالي إضافة هامة في سجل البحوث الجغرافية والتحقيقات الميدانية، ويكتسب أهمية خاصة كونه يتناول منطقة انطبع في أذهاننا - بسبب فقر المصادر المتاحة عنها - أنها مجهولة، لكن سأقف عند قراءة مستقبلية أو بالأحرى نتائج سلبية متوقعة من انتشار هذا الكتاب، ولا أعتقد أن لهيئة المساحة الجيولوجية ذنب في وقوعها إلا إذا كنا سنحاسبها الآن على قيامها بدورها في تزويد المجتمع بالمعرفة والمعلومات عن المجالات التي تقع في دائرة واجباتها واهتماماتها.
لقد تزايد الاهتمام و "الولع" مؤخرا بهوايتي الصيد والرحلات البرية بين فئة مراهقة عابثة قلبت الصيد كموروث إلى قتل وتخريب وحوّلت الترحال إلى "كشتات تلويث وتدمير بيئي"، ومجازفات دون تقدير للعواقب. والدليل أن الصمان تلك الهضبة الغنية جدا بتنوعها الفطري قبل عقدين تكاد تكون خاوية الآن. هذا سينطبق في تقديري على الربع الخالي الذي لن يكون مجهولا بعد كتاب الراشد والعنيزان.. و...بعد تدشين الطريق المسفلت الرابط بين السعودية وسلطنة عمان عبر الربع الخالي. وقد يأتي من يقول: إن هذا التشاؤم لا مبرر له إذا افترضنا أن وزارة الزراعة والهيئة السعودية للحياة الفطرية والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة ووزارة الداخلية ستقوم بأدوارها على الوجه المطلوب وستتكامل جهودها و أنشطتها وستجد حلا سريعا وستقضي بين عشية وضحاها على كل مظاهر التخريب والعبث و التلويث التي لحقت وستلحق بالمكونات البيئية للمناطق الصحراوية بما فيها من الأحياء الفطرية, وستنجح وزارة الداخلية في ضبط المخالفات وتوعية أولئك المجازفين وستسيطر على سلوكياتهم.

أريد أن أتفاءل لكني أشفق على الدفاع المدني الذي ربما نشاهد فرقه الميدانية المتخصصة في البحث والإنقاذ وقد أعياها التردد في رحلات مكوكية لا تنقطع تلاحق المتهورين الهائمين بـ"ولّع الصيد" المفقودين و المتوفين عطشاً في الربع الخالي خاصة أولئك الذين سيتغافلون عن وعورة كثبانه الممتدة في بحر متلاطم من الرمال المهيبة التي ستغدر حتما بمن يتهاون في اتخاذ (كل) احتياطات السلامة وضوابطها.

يتبع الجز الثامن: 
رحلة إلى الربع الخالي..
الجنّيّة حَمْدَة وطبول الجنّ

الخميس، 25 ديسمبر 2014

رحلة إلى الربع الخالي (ج٦)

الجزء السادس: سلامة يصيد الغزلان في الصمان


كتب وصوّر: محمد اليوسفي


عندما كتبت الجزء الأول من هذه السلسلة، رسمت في ذهني ترتيبا موضوعيا لبقية الأجزاء بما فيها من أحداث وقصص وطرائف، بحيث تكون الأجزاء مكملة لبعضها، لكنني؛ في هذا الجزء، أخالف الترتيب كي أؤكد على أن هذه الرحلة ليس من أهدافها الصيد.لم يتبق حاليا في الأماكن المفتوحة من الربع الخالي من طرائد الصيد سوى الأرانب البرّيّة، ما زالت ترتع في مواقع عدة، فكلما بعد المكان وازدادت وعورته ووجدت فيه الشجيرات الدائمة مثل الأرطى والحاذ والشنان وبعض الأنواع النجيلية مثل نباتي النصي والثداء كلما رصدت آثار الأرانب نهارا وشاهدتها ليلا بكثرة. 

الصيد في الربع الخالي، إلى وقت غير بعيد، غير ممنوع بل متاح للجميع وإن كان حكرا على فئة (الشيوخ)، فعامة الناس؛ الذين لم يسكنوا الربع الخالي
، ليس بمقدورهم الصيد بسبب عدم امتلاك السيارات أو لعدم توافر أدوات الصيد فضلا عن أنه لم يكن يوجد إلا قلّة من الصيادين لديهم الجرأة على اقتحام الكثبان الغامضة وتجاوز وعورتها برفقة أدلاء يعينونهم على عدم التوهان ويساعدونهم على التنقل في مساحات شاسعة خالية من البشر وليس فيها طرق معبدة. لكن الحال الآن ليس كذلك. كثيرون جربوا الصيد في الربع الخالي وتناقلوا تجاربهم وخبراتهم، ثم بمساعدة الطفرة في سيارات الدفع الرباعي وأجهزة تحديد المواقع والفضاء الإنترنتي المفتوح أصبحت الخبرات والمعلومات متاحة لمن هب ودب. وإذا أردت التأكد، فدونك قوقل أو شبكات التواصل، ستطّلع على رحلات مصوّرة لغرض الصيد في الربع الخالي بواسطة البنادق والصقور وكلاب الصيد أجلكم الله. وللأسف أسمع أن من بين هؤلاء الصيادين أشخاص من فئات يفترض أن تكون بمنأى عن استمراء استغلال حالة وجود أنظمة وقوانين على الورق فقط دون تطبيقها. أتوقع إذا بقى الحال على ما هو عليه (الآن) فأن الأرانب البرية سوف تنحسر أعدادها في الربع الخالي سريعا وتلحق بالمها والغزلان وغيرها من الحيوانات المنقرضة. ولا عزاء لبيان الصيد الذي يؤكد، في كل سنة، قبيل موسم الصيد على: «يمنع الصيد بجميع أشكاله ووسائله في منطقة الربع الخالي».  
في الجزء الغربي من الربع الخالي، هناك بقية من قطعان الغزلان والمها العربي (الوضيحي) التي لم يشاهدها، تعيش في الطبيعة، أبناء جيلي والأجيال المتأخرة. في هذا الجزء وتحديدا في عروق بني معارض، وهي من أشد الكثبان وعورة، سأتحدث عن رجل في العقد الثامن من العمر اسمه سلامة بن منيف آل دمنان، نشأ محبا للصيد منذ صباه. سألته، وأنا أعرف ما يثير كوامن ما يسميه الصيادون «ولع الصيد»، بماذا تشعر لحظة اكتشاف أثر الطريدة مرسوما على الرمال. أجاب: كلما شاهدت أثر الجوازي تذكرت قصيدة قالها أحد رفاقي ونحن في مسرح الصيد وسط عروق الربع الخالي يوم كنا شبابا نقضي الأيام متنقلين على ظهور الجمال نطارد الغزلان حتى شمال الربع الخالي بل إلى الصمان حيث نصيدها وسط خباريه ورياضه، أتذكر الصديق يرحمه الله حين قال في رحلة صيد: 

بديت عرق وسميته مسلّي
جعل الوسام يتقدم له وياتيه
حيثه مرب الجوازي كل حلّي
يا زين شوف الوضيحي رتّع فيه
يا خوي طرد الجوازي ما يملّي
في تالي اليوم إلى انكب ذاريه

والآن كلما شاهدت وسط عروق بني معارض جميلة (الجميلة تعني مجموعة من الغزلان) أتحسّر على حادثة مطاردة ارتكبتها وأنا شاب قبل عشرات السنين مع رفاقي الصيادين حيث شاهدنا خمسة وعشرين غزالا في الصمان طاردناها وقتلناها خلال يوم واحد فقط، ولم يفلت منها -عندما حل الظلام- إلا عدد محدود لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وربما إصبناها ونفقت.


وفي مقارنته بين الماضي والحاضر قال سلامة «صياد الغزلان» بعبارة مغلفة بالحسرة «لقد فقدنا غاليا، ولم يبق في صحارينا ما يثير البهجة أو المتعة بعد انقراض الغزلان وانعدام وجودها بحالتها الفطرية».

استطرد سلامة في حديث لا ينقصه الوعي يعيد أسباب الفتك بالغزلان إلى دخول السيارات للمنطقة وانتشارها وامتلاك البنادق المتطورة مع طغيان شهوة التفاخر والمباهاة التي استحكمت على سلوك الصيادين من أبناء الطبقة المترفة. وسرحت أنا مع استطراد سلامة متخيلا المشهد (واحدة من رياض الصمان ترتع فيها الغزلان). ربما لا نصدق أن بيننا كبار سن شاهدوا الغزلان والأحياء الجميلة في الصمان وغيره من براري المملكة ولم يصيدوا منها (غالبا) إلا ما يسد حاجتهم رغم معاناتهم من وطأة الفقر والمجاعات.
و الواقع أن الصورة مغايرة في العقود الأخيرة.

بقي لي في هذا الجزء الإشارة إلى أن سلامة بن منيف هذا الذي نتحدث معه في محمية عروق بني معارض صياد سابق أمضى فترة من عمره موظفا في الهيئة السعودية للحياة الفطرية في المحمية ضمن (الجوالين) وهم أشبه برجال أمن مهمتهم حراسة المحميات الطبيعية.
 
يتبع:
رحلة إلى الربع الخالي
الجزء السابع: اقتحام المجهول بكتاب

رحلة إلى الربع الخالي (ج٥)

مفاهيم عامية فصيحة ٢


كتب وصوّر: محمد اليوسفي

 
في الجزء السابق من هذا الرحلة ذكرت كلمات عامية تطلق على أشكال الكثبان الرملية، وبينت اعتمادا على معاجم العربية أن بعضها فصيح الأصل، ومنها الطعس والعِرْق والخِبة والقَصيم والدّكَاكَة وغيرها. سأتناول في هذا الجزء كلمات أو مفاهيم أخرى هي النِّقَا والقُوْز، والقْعَدة، واللُّغْف، والعَثْعَث، والنّقْرة، والحُقْنَة، والهَيَال، والسّيف. وقبل ذلك أشير إلى كلمة الجَلَد التي تستخدم حاليا بين مرتادي المناطق البرية بمعنى (السير على الطرق البرية غير المسفلتة) بينما تعرف الجِلِدة أو الجَلَد قبل وجود الإسفلت بأنها الأرض الصلبة الواسعة المنبسطة المميزة بسهولة طرقها، ويوجد في الربع الخالي أرض بهذه الصفة تقع في وسط جزئه الغربي تسمى الجِلِدة، وهذه من الكلمات العامية الفصيحة، فالشائع أن الجَلَد تعني القوة والشدّة الصلابة، وفضلا عن ذلك إذا قيل - نقلا عن لسان العرب - هذه أرض جَلْدَة ومكان جَلَدَة ومكان جَلَد، والجمع جَلَدات فالمعنى أنها أرض صلبة مستوية المتن غليظة. بالمناسبة ثمة معنى آخر فصيح لهذه الكلمة فالجَلَد هو جِلْد البَوّ (جلد حوار الإبل النافق) الذي يحشى بالأعشاب ويخيل به للناقة فتحسبه ولدها إذا شمّته فتدر الحليب.

والنِّقَا والقُوْز كلتاهما تعني كثيب رمل مرتفع، لكن ثمة من يفرق بينهما
، فالنقا أشبه بجبل لكنه من الرمال، أي أنه يكون مستدق في الأعلى، أما القوز فيكون مستديرا في الأعلى. والكلمتان فصيحتان إذ قال ابن منظور: والنَّقا من الرَّمْل: القطعة تنقاد محدودبة، والجمع: أنْقاء ونُقِيّ. أما القَوْز فهو المستدير من الرّمل و الكثيب المشرف، وجمعه: أقْوَاز وقِيزان وأقاويز وأقاوِز.

أما القْعَدة: والجمع قَعَد، فهو تكوين الرمل مشابه للنقا في مسقطه الأفقي لكنه في الربع الخالي ينصرف إلى تلك التشكيلات المتشابهة والمتفرقة عن بعضها وسط الأراضي الملحية أو الجيرية أو الحصوية، وأحيانا تكون متقاربة ومعقدة. وأكثر ما تعرف هذه الأشكال في المصادر المتخصصة باسم الكثبان النجمية حيث يتفرع عن المرتفع الرئيس ألسنة من الرمال تبدو من أعلى متخذة أشكال نجمية. وكلمة القعدة عامية ربما يكون أصلها من القعود، إذا تبدو هذه التشكيلات وسط السباخ والأرض المنبسطة الواسعة (المستوية) كأنها قاعدة في صفوف متناسقة، وقد يكون الأصل من كلمة العَقَد وحرّفها العوام إلى القَعَد. وكلمة العَقَد فصيحة تطلق على ما تعقّد من الرمال.

واللغف كلمة عامية يقصد بها انحناء أو جانب العرق من الرمل. ولم أعثر في مصادر اللغة على معنى مشابه لذلك من جذر (لغف)، وفي الفصحى إذا قيل لغف فالمعنى لعق.

والعَثْعَث من الكلمات المستخدمة عند أبناء البادية ويقصد بها سطح الأرض اللينة المغطى بالأعشاب المزهرة، وهذه كلمة فصيحة إذ قال صاحب اللسان: إنها (ظهر الكثيب الذي لا نبات فيه. والعَثْعَثَة: اللَّيّن من الأرض، وقيل: العَثْعَث الكثيب السّهل أنبت أو لم ينبت، وقيل: هو الذي لا ينبت خاصة).

والنِّقْرة
، و كذلك الحُقْنَة أو الحِقْنَة (سواء بضم الحاء أو بكسرها على اختلاف اللهجة)، كلتاهما تعني منخفض وسط الرمال، ويكون انخفاضه حادا من جميع الاتجاهات. وبحسب سماعي فإن كلمة حقنة متداولة بين سكان بادية الربع الخالي يرادفها كلمة النّقرة في الدهناء والنفود الكبير. وبعض النُّقر أو الحقن خطيرة جدا إذا هوت وسطها السيارة، فقد ترتكز ويصعب سحبها، وإذا استقرت الإبل في اسفلها فلا تستطيع الخروج منها. وفي الربع الخالي يوجد حقن تتخذ شكلا مخروطيا، ويعرفها سكان البادية ويتجنبونها بسبب خطورتها.

ومما يشيع بين من يرتادون الكثبان الرملية سواء في الربع الخالي أو غيره
، كلمة أو مصطلح الهَيَال: ويقصد الجانب المنحدر بشدة الذي تنهال منه الرمال، وهو غالبا الجانب المعاكس لاتجاه الرياح السائدة، وهذه كلمة فصيحة خالصة، فالهَيال، والهَيْلان في لسان العرب: ما انهال من الرّمل. ويصعب على الانسان والحيوان والسيارة اجتياز الهيال، وأحيانا يكون له حافة مرتفعة تسمى السيف. والهيال هو التكوين الذي يعزى إليه ما كانت تسميه العرب عزيف الجن، أو عزيف الرمال، وهو صوت عجيب يحدث في ظروف معينة، وقد استرعى انتباه بعض الرحالة الغربيين الذين عبروا الربع الخالي، وسوف أخصص جزءا لاحقا من هذه الرحلة للحديث عن هذا العزيف الذي يعرف عند بعضهم بـ(طبول الجنّ), وذلك في معرض الحديث عن قصة (الجنية حَمْدَة)

والسيف في وصف تشكيلات الرمال كلمة تستخدم عند العامة وتعني قمة الرمال المرتفعة عندما يكون لها جانبان حادان في الانحدار، ويُشبّه أعلاها بحد السيف. ويرادف هذه الكلمة في بعض المصادر المتخصصة كلمة فصيحة هي الذَّلَق والذالق، فذَلْق كل شيء يعني حَدّه. وسيوف الرمال من التشكيلات التي يصعب على الإبل اجتيازها، كما أن مهارة قائد السيارة مهما بلغت لا تسعفه غالبا في تجاوز حدّ السيف، وقد يؤدي التهور في القيادة وسط سيوف الرمال إلى انقلاب السيارة. وأكتفي بهذا القدر من المصطلحات.

يتبع:
 رحلة إلى الربع الخالي
(الجزء السادس: سلامة يصيد الغزلان في الصمان)