الأحد، 19 أبريل 2015
أنواع الصُّرٓدٓ المنهي عن قتلها والمحرم أكلها
(يحرم أكل لحم الصُّرٓدٓة لأنه منهي عن قتلها)
هذا نصّ فتوى للجنة الدائمة للإفتاء. فقد نهى المصطفى صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة... منها الصُّرد.
هنا سأجيبك على السؤال؛
ما الصُّرٓد الذي نهانا نبينا عن قتله؟
سأضعك في الصورة وأقدم لك المعلومة المركّزة التي تجعلك تعرف أنواع الصرد (المحلي المقيم في السعودية أو المهاجر الذي يعبرها في مواسم هجرة الطيور).. فإليك الصور التالية:
الصورة الأولى
الصورة الثانية
الصورة الثالثة
الصورة الرابعة
الصورة الخامسة
الصورة السادسة
الصورة السابعة
الصورة الثامنة
الصورة التاسعة
الصورة العاشرة
الثلاثاء، 30 ديسمبر 2014
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱٥ والأخير)
المَرّيّ يكشف أسرار قصّ الأثر
كتب و صوّر: محمد اليوسفي
- سألت عبدالهادي العرق المري.. صاحب رسالة ماجستير عن فئة قصاصي الأثر.. هناك زعم غريب بين "عامة الناس" يفسرون فيه براعة أبناء آل مرة في قص الأثر، فما هو؟
أجاب: = أظنك تقصد ما يردده
بعض أبناء البادية قديما، حيث يقولون إن أم أو جدة آل مرة (من الجن) في
تفسيرهم لبراعة كثير من أبناء القبيلة في قص الأثر، لكن هذا الزعم بالتأكيد
ينم عن الجهل في التفسير الصحيح وهو أن معظم أبناء آل مرة كانوا يسكنون في
الربع الخالي أو أراض رملية مشابهة تتميز بأن آثار أي كائن يطأ عليها
ستنطبع بشكل واضح حتى لو كان لأصغر الحشرات، ولهذا حتمت ظروف التعايش مع
البيئة أن يكونوا مميزين في معرفة الأثر وتتبعه.
- وهل تعني أن من لم يسكن في المناطق الرملية لن يستطيع معرفة الأثر وتتبعه؟
= إلى
حد ما، لكن هناك خصوصية في هذا الجانب بالنسبة لآل مرة، فأنا مثلا من
مواليد مدينة الرياض وعشت فيها إلا أنني قضيت الإجازات الدراسية وما تيسر
من الوقت في المناطق البرية. كما أن معرفة الأثر وقصه من المهارات المكتسبة
عند جيل الآباء، وربما أدى انبهار الناس من خارج القبيلة بهذه المهارة إلى
أن يجعل الأجيال المتعاقبة من آل مرة تتشرب المهارة كميزة يحافظون عليها
ويتعلمون في ميدانها وفنها.
- هل تقصد أنكم تسعون إلى اكتساب المهارة في قص الأثر بصورة متعمدة؟
= لا.. في إجابتي السابقة أحاول تقديم تفسير للظاهرة لكن لو طبقت الأمر على
نفسي فلا أعرف بالتحديد متى نشأ معي الاهتمام بقص الأثر، فمنذ الصغر وعيت
على الاهتمام بهذا الجانب إلى أن بلغ أوج ذلك بدراسة الماجستير في هذا
الموضوع قبل عقدين من الزمن تقريبا.
- بالقياس على إجابتك حول تأثير طبيعة البيئة الرملية فسوف أفترض أن أبناء القبائل التي سكنت في منطقتي الدهناء والنفود الكبير لديهم المهارة في قص الأثر، لكن لماذا أخذت قبيلة آل مرة الشهرة؟
= صحيح هناك أفراد من قبيلة شمر وعنزة وغيرهم من سكان
القرى عرفوا بالمهارة العالية في قص الأثر، لكن الشهرة كانت وما زالت لآل
مرة حتى أن قصاص الأثر يطلق عليه حالياً (المَرّيّ)، وإن كان لا ينتسب لآل
مرة، لأن (المري) عند عامة الناس تسمية لقصاص الأثر على الإطلاق، وهذا يعود
إلى أن السواد الأعظم من قصاصي الأثر هم من آل مرة خصوصا أن 90% تقريبا
منهم كانوا يقطنون في الربع الخالي وهذه منطقة وميدان مختلف في سعته عن
الدهناء والنفود الكبير.
- لننتقل إلى قصاص الأثر نفسه، ما المهارات التي تجعل شخصا بعينه لديه معرفه بقص الأثر؟ هل هي قوة ملاحظة أم ذاكرة متقدة أم حدة بصر أم ماذا؟
= كل ما ذكرته في سؤالك مطلوب، إضافة إلى
الذكاء وصفاء الذهن والقدرة على التركيز وهذه هبة من الله، وأضيف إلى ذلك
شيئاً مهماً وهو الخوف من الله دائما والخشية منه سبحانه، خاصة إذا كان
مطلوبا منه التعامل مع آثار في مسرح الجريمة.
- بالنسبة لك، إذا كان الأثر الذي تتبعه لرجل حافي القدمين وتداخل مع آثار حفاة بنفس الحجم، كيف لك أن تستمر في التتبع؟
= قبل أن أجيبك سأروي قصة قديمة عن رجل من آل مرة فقد ناقته فتتبع آثارها
إلى أن وصل مورد ماء، ثم تبين له أن المورد يخرج منه أكثر من مساق: والمساق
هو الدرب الذي تمشي عليه الإبل إذا وردت وصدرت من الماء، وكان يحتاج إلى
تتبع هذه (المساقات) ليعثر على الأثر ويواصل تتبعه، وكان على مورد الماء
مري آخر تبرع في مساعدته رغم أنه لا يعرف الناقة لكنه سأله (الناقة من هي
عليه؟) ويقصد السؤال عن الفحل الذي ضرّب أمها (أب الناقة)، فسمى صاحب
الناقة الفحل وهو معروف ومشهور، ثم تفرّق الاثنان، وبعد فترة قصيرة من
البحث صوت المتبرع لصاحب الناقة ليشير على أثر الناقة الذي عثر عليه رغم
أنه لم يرَ الناقة من قبل، فواصل صاحب الناقة تتبع الأثر.
طبعا سوف يعتقد البعض أن في ذلك مبالغة فكيف عرف الثاني الأثر وهو لا يعرف الناقة، وربما يأتي آخر فيقول كيف يعرف قصاص الأثر أصلا أثر ناقته والخفاف متشابهة، فأقول إن قصاص الأثر البارع تصل معرفته إلى التمييز بين أثر خفاف الإبل وحجمها وشكل استدارتها، أما الثاني الذي لا يعرف الناقة فقد استعان بمعرفته وخلفيته عن إنتاج الفحل من الإبل التي تكون سلالة متشابهة.
وعليه فلا أبالغ إذا قلت إن تتبع الحالة التي ذكرتها في سؤالك عن الحفاة أسهل علي من التفريق بين وجوه البشر، لأن الأرجل بشكل عام- وهذا من أسرار قصاصي الأثر- مختلفة فيما بين ثلاثة حالات لوصف أقدام البشر، فهنالك (الأكرف: وهذا وصف للأقدام التي تكون مائلة إلى الداخل، فالقدم اليمني تكون مائلة قليلا جهة اليسار والقدم اليسرى تكون مائلة جهة اليمين)، وهناك (الأزرح: والمقصود عندما تكون القدمان متباعدتان)، وهناك ( الأمد: أي الأقدام مستقيمة)،وهناك ثقل الوزن وعلاقته بعمق الأثر الذي ينطبع على الأرض، وهناك أصحاب العاهات حتى لو كانت محدودة مثل انحراف أصبع عن بقية الأصابع، وهناك أسرار كثيرة ربما نحتاج إلى صفحات كي نوضحها بالتفصيل.
طبعا سوف يعتقد البعض أن في ذلك مبالغة فكيف عرف الثاني الأثر وهو لا يعرف الناقة، وربما يأتي آخر فيقول كيف يعرف قصاص الأثر أصلا أثر ناقته والخفاف متشابهة، فأقول إن قصاص الأثر البارع تصل معرفته إلى التمييز بين أثر خفاف الإبل وحجمها وشكل استدارتها، أما الثاني الذي لا يعرف الناقة فقد استعان بمعرفته وخلفيته عن إنتاج الفحل من الإبل التي تكون سلالة متشابهة.
وعليه فلا أبالغ إذا قلت إن تتبع الحالة التي ذكرتها في سؤالك عن الحفاة أسهل علي من التفريق بين وجوه البشر، لأن الأرجل بشكل عام- وهذا من أسرار قصاصي الأثر- مختلفة فيما بين ثلاثة حالات لوصف أقدام البشر، فهنالك (الأكرف: وهذا وصف للأقدام التي تكون مائلة إلى الداخل، فالقدم اليمني تكون مائلة قليلا جهة اليسار والقدم اليسرى تكون مائلة جهة اليمين)، وهناك (الأزرح: والمقصود عندما تكون القدمان متباعدتان)، وهناك ( الأمد: أي الأقدام مستقيمة)،وهناك ثقل الوزن وعلاقته بعمق الأثر الذي ينطبع على الأرض، وهناك أصحاب العاهات حتى لو كانت محدودة مثل انحراف أصبع عن بقية الأصابع، وهناك أسرار كثيرة ربما نحتاج إلى صفحات كي نوضحها بالتفصيل.
- وماذا لو كانت الآثار ليست لحفاة بل لمن يلبسون أحذية متشابهة في شكل الأثر والمقاس؟
= هنا يمكن الاستدلال بشكل الأقدام التي وضحتها في إجابتي على السؤال
السابق، إضافة إلى قوة الأثر وعلاقته بالوزن، وهناك قرائن أخرى تتعلق
بالخطوة المتزنة التي يختلف أثرها عن "الخطوة المرتبكة" التي أستنتج منها
الحالة النفسية للشخص وما إذا كان متعاطياً مخدراً أو مسكراً، وهكذا.
- هذا على افتراض أن يكون الأثر على أرض رملية، وماذا لو دخل في أرض حصوية أو صخرية؟
= هنا أعتمد على أشياء أخرى مثل تخلخل الحصى والصخور عندما تطأ الأقدام
الأرض، وهيئة النباتات والأغصان الخفيفة التي تتكسر أو تميل في حال داستها
الأقدام، ثم يمكن عمل الاستقطاع وهو الدوران على حواف الأرض الحصوية في
اتصالها بالأرض الرملية من أجل معرفة المكان الذي خرج منه صاحب الأثر.
- كيف ترد على من لا يصدّق أن هناك أشخاصا لديهم القدرة على قص الأثر وتتبعه ومن ثم تحديد صاحبه، ويعتبر ذلك من الخرافات؟
= أولا هذا علم من العلوم التي برع فيها العرب منذ الجاهلية، كما أن الشواهد
دلت على أنه تم الاستعانة بقصاصي الأثر منذ صدر الإسلام وحتى وقتنا
الحاضر، ثم لو رغبت لقمت بإجراء تجربة في الميدان بالشكل الذي تطلبه لتطلع
عليها شخصياً وتحكم بنفسك.
- لقد شهدت التجربة واقتنعت تماما بأن القصاص يستطيع تتبع الأثر وتحديد شخصية صاحبه، لكن ما تأثير العوامل الجوية كالمطر والرياح في تتبعك للأثر؟
= بكل صراحة أقول إذا اشتدت الرياح أو
هطلت الأمطار على الأرض واختفت المعالم الرئيسية للأثر فإن القصاص لا
يستطيع الاستدلال عليه، وسؤالك يدفعني إلى توضيح أن القصاص يستطيع تحديد
توقيت الأثر في مثل هذه الحالات، إضافة إلى انه يستفيد من آثار الحشرات
والزواحف الصغيرة، فمثلا إذا كان أثر الشخص فوقه أثر حشرة أو أحد الزواحف
فيستدل على أن الأثر فات عليه يوم، وإذا كان فوق أثر الحشرة أثر آخر لحشرة
فيحتمل أن يكون الأثر منذ يومين أو أكثر، وهكذا.
- بشأن أثر الكائنات، أقول إن هاوي الصيد خاصة الصّقّار لديه المقدرة على تتبع أثر طيور الحبارى والكروان، ومثله هاوي صيد الأرانب يستطيع تتبع أثرها بل ومعرفة حالاتها من كونها ترعى أو تسعى إلى جحرها أو هل هي ذكر أم أنثى، بينما تجد مثل هؤلاء لا يمتلكون المهارة في معرفة أو تتبع اثر البشر، هل يعني ذلك أن الشخص إذا ركّز اهتمامه بأثر كائن معين يستطيع معرفة أسراره؟
= هذا صحيح، لكن لا
بد أن تتوافر في الصياد أو الشخص الخصائص التي ذكرناها في معرض الإجابة على
سؤال سابق، ولهذا تجد حتى الصيادين يتباينون في المهارة شأنهم في ذلك شأن
قصاصي الأثر.
- ماذا عن السيارات، هل تستطيع تتبع الأثر الذي ترسمه الإطارات على الأرض؟
= نعم، إذا كانت في أرض رملية أو ما يشبهها، لكن فيما يتعلق بالسيارات لا
يستطيع قصاص الأثر سوى الاستدلال على أثر الإطارين الخلفيين لأنهما يمحوان
أثر إطاري المقدمة، ومع هذا يمكن الاستدلال على شكل إطاري المقدمة في حالة
انحراف السيارة أو دورانها، وأحياناً توجد عيوب في الإطار مثل قطع صغير
يستطيع القصاص من خلاله تحديد السيارة. - من خلال دراستك وحصولك على درجة الماجستير في موضوع قص الأثر، هل يمكن عقد دورات لتدريب الأفراد على قص الأثر؟
= نعم، وكنت عملت هذا الشيء سابقا، لكن أعيد التأكيد على ضرورة توافر
الخصائص التي تميز أشخاصا عن غيرهم مثل الذكاء وصفاء الذهن وقوة الملاحظة
والذاكرة مع ضرورة وجود الرغبة في فهم الجانب النظري والعملي في موضوع قص
الأثر.
- في ميدان قص الأثر ما أغرب حالة تعاملت معها؟
= من أغرب
الحالات أو أطرفها أن شخصاً من جنسية عربية زعم أن مجهولا قام بالسطو على
منزله وكسر شنطة حديدية وسرق كل ما تحتويه من نقود، وهي عبارة عن أمانات
أودعها أصحاب له من نفس الجنسية، ولما حضرت إلى المكان تبين لي أن الشنطة
كسرت عمداً وبُعثرت محتوياتها وعرفت أن الجاني لم يترك أثر بصمة أو شيء آخر
يدل عليه، ومن حسن الحظ، أو سوء حظ هذا الشخص أن هناك بقايا غبار حول
الشنطة وتبين لي أثر الأقدام وما يشير إلى أنها للشخص الذي كسر القفل،
وتبين لي أيضاً أن الأثر لنفس الشخص الذي بلّغ عن الأمانات المسروقة، ولهذا
أخبرت الشرطة وبعد التحقيق اعترف، وكان يريد من هذه الحادثة تثبيت سرقة
المال ليستحوذ عليه، فانطبق عليه المثل (على نفسها جنت براقش).
انتهت أجزاء رحلة إلى الربع الخالي.. وهذا الجزء الخامس عشر.. وفيما يلي الأجزاء السابقة
اضغط على العنوان لينقلك مباشرة للجزء المطلوب
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱٤)
المَرّيّة
كتب وصوّر: محمد اليوسفي
المفاجأة السّارة بالنسبة لي أن المجلس ضم شقيقه عبدالهادي العرق الذي سمعت عنه كواحد من البارعين في قص الأثر، إضافة إلى أنه نال درجة الماجستير من جامعة نايف للعلوم الأمنية, وكانت دراسته عن فئة قصاصي الأثر. والاثنان هما أبناء لصالح العرق المري الذي يعد أول شخص التحق بالعمل في الدولة بصفة (قصاص أثر) إبان عهد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه -. وصالح العرق هو المقصود في بيتين من الشعر الشعبي القديم (لم أعثر على اسم صاحبهما)، حيث قال الشاعر يستحث راحلته على سرعة المسير مثلما تسرع السيارة التي تقل قصاصي الأثر (المَرّيّه) عندما يندفعون لتولي مهمة تتبع أثر سارق، فقال:
يا فاطري روحي مرواح سيارة
مرواح فرت مصندق فيه مرّيّه
تبغي تدور سروق ضاعت اخباره
يقصه العرق ما قصه عليميه
قبل
أن أقدم خلاصة حوار مطول أجريته مع عبدالهادي العرق، لعل من المهم تقديم
لمحة عن اهتمام العرب ومنذ الجاهلية بما كان يعرف بالقيافة والعيافة
والرّيافة والفراسة، ويعد كتاب السياسة في علم الفراسة لأبي عبد الله شمس
الدين الانصاري المتوفي خلال النصف الأول من القرن الثامن الهجري أشهر
المصادر في التراث العربي التي أصلت لما وُصف بعلم الفراسة، وتعني كلمة
الفراسة النظر والتثبت والتأمل في الشيء والتبصر به، وإذا قيل تفرّس فلان
في الشيء أي توسمه. أما من نظر إلى الفراسة كعلم فقد عرّفه بأنه الاستدلال
على أخلاق الناس الباطنة من النظر إلى أقوالهم وحركاتهم وأحوالهم الظاهرة
مثل لون البشرة وهيئات الأجسام وأشكال الأعضاء. والفراسة أنواع فهناك ما
يتعلق بمعرفة الإنسان أو الحيوان أو النبات وغير ذلك. ويتفرع عن الفراسة ما
يسمى بالقيافة وهي إما قيافة البشر أو قيافة الأثر، فالأولى هي الاستدلال
على معرفة أحوال الإنسان، أما الأخرى فهي تتبع آثار الأقدام والحوافر في
الطريق, وهي أيضا مرادف إلى حد ما بالعيافة، لكن العيافة ارتبطت عند العرب
قديما بالتكهن والتطير وخرافات أخرى، وهناك أيضا ما يسمى بالرّيافة التي
تختص بما يقال إنها قدرة الإنسان على الاستدلال على مصدر الماء تحت الأرض.
وبصرف النظر عن الاختلافات حول ما إذا كانت قيافة الشخص(قدرته على قص الأثر) تأتي من تلقي علم له أساسياته ومنهجه أو إلهام أو مهارة أو موهبة أو تخمين وحدس يعتمد على التعايش والتعامل مع البيئة وطبيعة البشر والأرض والحيوان والنبات، وبخاصة في مناطق الكثبان الرملية كالربع الخالي, ومن ثم الربط فيما بين القرائن التي تفضي إلى استنتاجات موصلة إلى الحقائق، بصرف النظر عن ذلك، فإن قبيلة آل مرة تعد واحدة من أشهر القبائل التي عرف عن بعض أبنائها قدرتهم على قص وتتبع الأثر بمهارة عالية إلى درجة أن الناس ذهبوا في الاصطلاح الشعبي إلى تسمية قصاص الأثر الماهر بـ(المَرّي) حتى لو كان من قبيلة أخرى.
يتبع:
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱٥):
المرّيّ يكشف أسرار قص الأثر
رحلة إلى الربع الخالي (ج ۱۳)
يوم الجراد
كتب وصوّر: محمد اليوسفي
أوقفنا السيارات وترجلنا لمشاهدة ما تبقى من الجراد على الأرض كي نتلقط الصور الفوتوغرافية قبل أن ننطلق من جديد لمواصلة الرحلة.
توقفت متأملا أنظر إلى الأصدقاء المستمتعين بمطاردة الجراد مستحضرا مشهدا مغايرا - لم أدركه وأبناء جيلي – لعله لا زال محفورا في ذاكرة بعض كبار السن الذين عانوا في حقب الجوع وشح الموارد. حالة فزع تصيب الأجداد عندما تغزو حقولهم ومراعيهم أسراب الجراد فيهرعون إلى طردها بواسطة قرع الطبول ودفعها إلى الابتعاد.
كان الأجداد يؤرخون سنوات بعينها شهدت غزوات الجراد ونتج
عنها أضرار أو تدمير لحقولهم ومراعيهم، فيطلقون على مثل هذه السنوات ( سنة
الجراد، أوجرادان، أو سنة الدبا...)، ومن بين أبرز السنوات المؤرخة بالجراد
في القرن الهجري الماضي سنة 1307هـ سميت سنة الدبا لأنه قضى على المحاصيل
الزراعية في نواحي من نجد وفسدت مياه الآبار التي تساقط فيها بكميات كبيرة
(الدبا والدبى كلمتان فصيحتان تعني طور من أطوار الجراد عندما يكون صغيرا).
ومثل ذلك سنة دبا أخرى عام1325هـ، كما سمي عام 1349هـ سنة الجراد إذ هجم
على أجزاء من منطقة القصيم خلال فصل الربيع، أما أبرز السنوات التي سميت
سنة الدبا عام 1364هـ بعدما حطت في معظم أرجاء نجد أسراب هائلة مكثت عدة
أشهر وأتت على المزارع والمراعي حصدا وفتكا، ووضعت بيضها ثم فقس عن دبا خرب
المزارع وسقط في الآبار ولوث مياهها، ولازال بيننا من عايشوا تلك السنة،
وبعضهم يذكر ان المزارع التي أصابها عدد هائل من الدبا أتى حتى على نخيلها
فالتهم العذوق والعسبان، وبلغت مقاومة الناس حد أنهم كانوا يحفرون الخنادق
حول المزارع حتى يقع فيها الدبا الذي لا يقوى على الطيران ثم يدفنونه.
ومع كل ذلك كان الأجداد يفرحون بقدوم الجراد في حدود أن يبقى في أسراب قليلة لا تضر، فما أن يأتي الرواد بأخبار الجراد يخرج الناس في الصباح الباكر يخبرون بعضهم بالنداء (ياجرّادوه .. ياجرّادوه)، فهو لديهم غذاء لذيذ يجمع فيؤكل مطبوخا ومشويا، ويفضلون منه (المكن) وهي الأنثى تكون بلون وردي قبل أن تفرغ البيض من أحشائها، بينما لا يفضل للأكل الزعيري (الذكر) الذي يكون بلون أصفر. وكان ينظر للجراد على أنه دواء باعتباره يتغذى بالأعشاب والنباتات المفيدة، ولهذا قالوا في المثل (إذا جاء الفقع صر الدواء وإذا جاء الجراد انثر الدواء). والمعروف أن أكل الجراد جائز شرعا، وهو غني جدا بالبروتين والدهون ويحتوي على عناصر أخرى مفيدة. وتحذّر مؤخرا نشرات وزارة الزراعة والهيئات الصحية مع كل موجة تسرب جراد إلى المملكة من أكله خشية تلوثه بالمبيدات الحشرية، ومع ذلك نرى أشخاصا من غير جيل (يا جرّادوه.. ياجرادّوه) يترقبون الجراد ويشترونه من الأسواق الشعبية رغبة في أكله غير مكترثين بالتحذيرات.
ومن الأسماء التي تطلق علي الجراد اسم ( التهامي) نسبة إلى منطقة تهامة؛ حيث اعتقد الأجداد قديما أن الجراد يخرج فجأة من البحر من أعين الأسماك وبطون الحيتان فيقع على تهامة ومنها يتحرك في غزواته إلى بقية أنحاء الجزيرة العربية. والحقيقة أن أغلب أنواع الجراد الصحراوي المهاجر عابرة للبحر تأتي إلى أراضي المملكة من شرق ووسط أفريقيا حيث تتكاثر هناك خلال مواسم الأمطار ثم تنطلق على هيئة أسراب في أكثر من اتجاه. ولم يتوصل العلماء إلى دوافع هجرة الجراد، ويشير بعضهم إلى أنها قد تكون بسبب نقص الغذاء أو حدوث فيضانات، كما أن الدراسات لم تستطع رسم مسارات لطرق الهجر بشكل محدد وثابت، إذ تختلف وجهتها من عام إلى آخر، وقد تهاجر في أي سنة، وهناك من العلماء من توصل إلى أن للجراد موجات هجرة تتكرر كل خمسة عشر عاماً.
يتبع:
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱٤)
بعنوان (المَرّيّة)
الاثنين، 29 ديسمبر 2014
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱۲)
غاز سامّ ينفثه ثعبان دفان
كتب وصوّر: محمد اليوسفي
في كل يوم من أيام رحلتنا نحدد الساعة الرابعة والنصف عصرا موعدا لنهاية التجوال؛ حيث تتوقف قافلة السيارات ونبدأ في تجهيز المكان بنصب الخيام إذا لزم الأمر، وإعداد وجبة العشاء التي نتناولها غالبا فيما بين الساعة السابعة والثامنة، ولا يبقى وقت للسمر سوى ساعة أو أكثر قليلاً، فالجميع يخلد إلى النوم فيما بين الساعة التاسعة والتاسعة والنصف. في إحدى الليالي حل ضيف من أبناء المنطقة في ترتيب مسبق مع أحد أعضاء الرحلة. المجاملة تقتضي أن تكسر قاعدة توقيتاتك، ولذلك تجاوزنا الساعة العاشرة والضيف مندمج في حديث متصل عما أسميه (سواليف) السمر التقليدية المتداولة عند البسطاء التي لا تخرج عادة عن قصص ومرويات شعبية تدور حول موضوعات مثيرة بطبيعتها أدناها الثعابين والهوام وأقصاها الجن والمفترسات في البرّيّة. تختلف المناطق وتتباين الخلفيات الشعبية ويبقى اللب واحد فيمثل هذه المرويات التي تتكئ غالبا على ما نقل عن أفواه (الشيبان)، وإذا كان ثمة اختلاف ففي تفاصيل محدودة.
روى الضيف شيئا غريبا- وهذا ما أسمعه لأول مرة – يحدث في الربع الخالي، إذ قال إن هذه الرمال تخفي نوعا من الثعابين خطير جدا بمقدوره نفث هواء(غاز)على جسم الإنسان يؤدي إلى موته عند(أول نومه). وأنه يخرج فجأة من وسط (الطعس) وينفث ثم يختفي سريعا بواسطة اختراق سطح الرمل كما لو أنه (دريل )وأن الإنسان المنفوث - على وزن الملدوغ- لا يشفى إلا إذا (استمر مستيقظا مدة خمسة أيام بلياليهن)!
لا أدري ما إذا كانت هذه الحكاية مختزنة في الذاكرة الشعبية عند أبناء المنطقة أم أنها من مستحدثات ما ينقل عن بعضهم ويضخم فيما يصل مبلغ الخرافات أم أن الضيف (متحمس حبتين) ويريد فقط المشاركة في الحديث. على أي حال، ألقيت عليه أسئلة مستوضحا الأمر وعرفت من الأوصاف التي ذكرها أنه يتحدث عن ثعبان وديع.. نعم وديع! يوجد في عموم المناطق الرملية في المملكة، ويسمى الثعبان الدفان، وقد سمي بهذا الاسم بسبب قدرته على اختراق الرمال بسرعة ودفن جسمه في باطنها، وهو النوع الوحيد في المملكة من تلك الفصيلة التي تصنف تحت ما يعرف بالثعابين العاصرة؛ حيث يلتف الثعبان على فريسته ويعصرها بقوة حتى تموت ثم يبتلعها، لكن هذا الدفان لا يستطيع أن يفعل ذلك سوى مع فرائس لا تتجاوز حجم القوارض الصغيرة بسبب أنه صغير إذ يبلغ طوله نصف متر، ليس هذا فحسب بل إنه غير سام ولا يتسبب بأي أذى على الإنسان، بعكس ما ذكر لنا الضيف، أما مسألة قدرته على نفث غاز سام فخرافة من خيال الضيف أو نقلها عن غيره.
أما الاعتقاد بجدوى عملية العلاج بالسهر خمس ليالي! أو (مساهر القريص)؛ والقريص هو الشخص الذي تعرض لعضة ثعبان أو لدغة عقرب، فهناك زعم شعبي شائع؛ في أكثر من منطقة خصوصا في نجد، يقول إن دفع الإنسان القريص إلى عدم النوم عدة أيام يؤدي إلى شفائه من أعراض التسمم ونجاته من الموت، وقد كانت تمارس إلى وقت قريب طقوس تجاه ذلك فيتناوب أقرباء القريص وأصحابه للجلوس والتحدث معه وإذا لزم الأمر تضرب بجواره الطبول لئلا ينام، ويبقون على هذه الحالة عدة أيام ثم يتركونه إذا ظنوا أنه شفي تماما.
والواقع أن القريص قد يكون ملدوغا من ثعبان غير سام أو ثعبان ضعيف السميّة أو حتى ثعبان شديد السمية لكن لم ينفذ إلى جسم القريص جرعة كافية تؤدي إلى الموت، ولهذا يعتقدون أن السهر هو الذي أدى إلى علاجه أو نجاته بينما السم لم يدخل إلى جسمه أو أن الجرعة لم تكن قاتلة. والحقيقة أن هذه الطريقة وغيرها من الأساليب والطرق الشعبية المتبعة في علاج سموم الثعابين والعقارب، لم تثبت – بحسب المصادر المتخصصة – فاعليتها ولا إمكانية قدرتها على شفط السم أو معالجة التسمم, ولا يُنصح باستخدامها.
يتبع:
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱۳)..
يوم الجراد
رحلة إلى الربع الخالي (ج۱۱)
السمك "المُقَوِي" يسبح في الرمال
كتب و صوّر: محمد اليوسفي
أيعقل.. سمك يسبح في الرمال؟!
لعلك تشك في امتلاك (ابن جلبي) الحد الأدنى من فضول الرحالة ووضوح الباحث، وإلا لكشف عن حقيقة ما وصفه. وستعرف عزيزي القارئ المقصود بسمك الرمال، وما يقال عن تأثيرات أكله وكيف كان أجدادنا يتخذونه مقويا يشحن الرجال بـ"الطاقة المرغوبة", وكيف يُروج حاليا للنساء خلطات شعبية يدخل في تركيبها (هذا السمك!) بزعم منفعته لعلاج العقم والضعف الجنسي لدى أزواجهن.
أعيد التذكير بأنني بصدد كتابة جزء ضمن سلسلة مقالات عن رحلة إلى الربع الخالي. كتبت في الجزء السابق عن أحد رفاق الرحلة (الشقردي) الخدوم صالح الذي يتمتع بصفات ومزايا تتطلبها طبيعة الرحلات البرية الطويلة. اليوم أتحدث عن مساعده (أيمن), هو أصغر الرفاق سنا, وأقلهم تحدثا ومشاركة في النقاشات, قصير القامة نحيل الجسم خفيف الوزن, لكنه ذو همة عالية, لا يوقفه طوال أيام الرحلة عن الحركة والنشاط والعمل الدؤوب إلا النوم.
في مرحلتي العمرية, أقف خلف أجيال كانت حتى وقت قريب, تنظر إلى المراهقين والشباب أصحاب الأسماء؛ التي لم تعرف سابقا في المجتمع النجدي مثل "أيمن وأمجد وفراس ولؤي...." بنظرة قاصرة تنطوي على صورة ذهنية مؤطرة بأحكام مسبقة عناوينها الانفصال عن التقاليد والموروث أو الليونة والنعومة, وربما يتصور قارئ أن الفاصل بين تلك الأسماء والخشونة وحسن التصرف في المواقف الصعبة مسافة تصل إلى أبعد من المسافة بين شخص يبيت في غرفة بفندق برج الفيصلية وبين آخر ينام في عراء كثبان عروق الخرخير. لم أنظر إلى أيمن بهذه "النظرة النجدية" لكنه فاجأني في الرحلة بتفوقه على أقرانه ومن هم أكبر منه سنا بسرعة البديهة وحسن التصرف في معرفة تفاصيل متعلقة بالحياة البرية وثقافة الصحراء.
في منتصف الرحلة أثناء التوقف في محافظة الخرخير للتزود بالوقود وما هو متاح من الاحتياجات التموينية, جاءني أيمن, وكنت أستقل سيارة بعيدة عنه, يحمل شيئا مضموما في يده بعناية وقال مداعبا هذه هدية. هو خصني بالإهداء لسبب أنني مهتم بالتقاط صور فوتوغرافية لأي كائن فطري يدب على الصحراء لا لشيء آخر!
هدية أيمن نوع صغير من الزواحف التقطت له صورة وأخليت سبيله ليندس وسط الرمال, وهذا النوع أطول من أصبع الرجل البالغ وأسمك منها, وناعم الملمس لكن فيه قوة عجيبة مقارنة بحجمة, وإذا أمسكت به يخيل إليك أنه عبارة عن قطعة من عضلة قوية متماسكة بشدة. وصدّق أو لا تصدّق ما زال هناك من يأكله على خلفية.. هذا ما وجدنا عليه أباءنا وأجدادنا الذين كانوا يعتقدون أنه مقوٍ للباءة بل ولعلاج العقم وضعف الرجال. ولعل هذا هو سمك الرمال الذي قصده (ابن جلبي).
يسمّى هذا الزاحف في المصادر المتخصصة السقنقور, أو الصقنقور عند العوام, كما يعرف؛ لدى سكان مناطق أخرى في المملكة ذات كثبان رملية باسم "الدّسيسة, والدّميسة" لأن له القدرة على أن يندس وسط الرمال, بل يخترقها سريعا ويغوص في جوفها كما لو أنه يسبح, ويعيش وسط هذه البيئة ولهذا قيل عنه "سمكة الرمال". ويتغذى بالحشرات وبعض أجزاء الأعشاب كما يتناول حبيبات الرمل ليستفيد من العناصر العالقة بها.
وفيما يتعلق باتخاذه علاجا ومقويا, فقديما كان هناك من يأكله بعد ذبحه وتنظيفه لحما "طازجا" مطبوخا أو مشويا! أو بتجفيفه مع الملح ثم سحقه, ويباع "مسحوق السقنقور" في محلات العطارة, كما يخلط المسحوق مع العسل ويباع كعجينة. غير ذلك, يستخرج العطارون من شحم هذه السحلية دهناً يستعمل كمرهم, كل ذلك من أجل "الطاقة المرغوبة" واستعمالات أخرى. ولو جربت عزيزي القارئ ولقّمت قوقل كلمتي التداوي بالسقنقور فسوف يحيلك إلى آلاف النتائج منها جزء كبير عبارة عن مواقع ومنتديات نسائية تتواصى وتتطبب للأزواج بالخلطات والمنتجات السقنقورية! وبعضها يوحي لك أن الحديث ليس عن سحلية تافهة بل عن "قوة سنافية" عجيبة!. وقبل التعجل والسخرية والذهاب إلى مصطلحات (خرافات, خزعبلات, جهل, دجل..) فسآتي بما يبعث على الحيرة فأقول: بين يدي مقال يشير إلى فوائد علاجية متعددة لتناول السقنقور والخلطات التي يدخل في تركيبها, نشر في صحيفة محلية كبرى قبل أعوام للأستاذ الدكتور جابر بن سالم القحطاني أستاذ العقاقير والوجه الطبي الإعلامي المعروف. أقتبس أجزاء منه, فقال القحطاني: "الأفضل للتداوي الذكر "يقصد جنس ذكر السقنقور" وذلك فيما يخص تنشيط الباءة، بل الذكر هو المخصوص بذلك وليس الأنثى.. وخصيته أهم ما فيه.. والجزء المستخدم من السقنقور الجزء الذي يلي الرأس وذنبه وشحمه, والوقت الذي ينبغي أن يُصاد فيه هو فصل الربيع فإنه يهيج فيه فيكون أبلغ نفعا.. وعادة الجرعة من مسحوق السقنقور كمنشط للباءة يجب أن لا تتعدى ثلاثة جرامات فهذه الجرعة تقوي آلات ماء الرجل وتزيد في شهوة الباءة وتقوي البدن وتهيج الجماع". انتهى كلامه.
خطر ببالي الآن مشهد كوميدي للممثل حسين عبد الرضا في مسلسلة الأقدار وهو يقدم لسعد الفرج علاجا لعقم الأخير عبارة عن "كبد نمل وبيض ثعابين مع منقار هدد يتيم حول"!.
إذا أصابتك الحيرة بعد الاقتباس الأخير, فاغلق الصفحة وانتظر – إن رغبت – الجزء التالي (ج۱۲) من رحلة إلى الربع الخالي بعنوان (غاز سام ينفثه ثعبان دفّان)!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

















