الأحد، 31 أغسطس 2014

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (يا صايد القارور لا تامن العمى)

١٣- يا صايد القارور لا تامن العمى

بقلم وعدسة: محمد اليوسفي


أخبرني أحد كبار السن عن "خرافة قديمة" كانت تقال في بيت شعر:

يا صايد"القارور"لا تامن العمى
ولا تامن الفقر المقيم سنين

وفي بعض المناطق تستبدل كلمة "القارور" بأنواع أخرى من الطيور. والقارور، أو القرقر اسم دارج (شعبي) في معظم مناطق المملكة لأنواع من الطيور المهاجرة تنتمي لفصيلة "آكلات النّحل" ليس بينها إلا اختلافات في الألوان، وهي أصغر قليلا من طيور اليمام، وتأتي غالبا على هيئة أسراب لها صوت مميز (قررر.. قررر)، وتختلف أسمائها المحلية في السعودية باختلاف المناطق، ومن الأسماء، الصّقَرقَع، والشَّغَاغة، وطير المطر، وأبو ورقة، والقوراي. 
بالمناسبة ينزعج أصحاب المناحل من أسراب "القارور"؛ المعروف في المصادر العلمية أيضا باسم طير الوروار؛ حيث يعتبر النحل غذاءه الرئيس، وللقارور القدرة على أن يلتقط النحلة بمنقاره وهي طائرة في الجو، ولهذا ينصب النحالون الفزاعات في منطقة مرعى النحل لطرده. والمعروف أن الوروار لا يعتبر من طرائد الصيد في معظم مناطق المملكة إلا أجزاء محدودة من المنطقة الشمالية وأقصى الجنوب.
أما معنى بيت الشعر السابق فلا يخرج عن مزاعم شعبية، منها أن الكبار كانوا يحذرون الصغار من صيد الطيور المحلية خلال فترة التفريخ في أواخر فصل الشتاء وأوائل فصل الربيع، فالصياد ربما قتل أمّاً ترعى أفراخها فتلحقه -على حد زعمهم- العقوبة (وحوبة الفروخ) إما بكسر رجله أو إصابته بالعمى. ولعل التحذير من صيد القارور نشأ في بيئة أهل البادية؛ حيث كان يسمّى عندهم (طير المطر)، ويتفاءلون بمشاهدة أسرابه (المهاجرة) محلّقة حولهم فيقرنون المنظر بقرب هطول المطر، وهذا صحيح لأن قدوم الطيور المهاجرة؛ في رحلتي الهجرة والعودة، يتزامن مع اقتراب فترات هطول الأمطار.

يتبع
١٤- أبيض من الغرنوق

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (كَرْعَة قطاة)

١٢- كَرْعَة قطاة

بقلم: وعدسة محمد اليوسفي
حين نسمع بعض الأمثال الشعبية أول مرة؛ من كبار سن لم ينالوا حظّاََ من التعليم، ينطقونها بلهجتنا العامية، لا نتصور أن لبعضها جذور تعود إلى أمثال العرب قديما. ومن ذلك قولهم "كََرْعَة قطاة، أو شربة قطاة، أو شَرْبَة طير". فالكَرَع كلمة فصيحة تعني - في لسان العرب - ماء المطر عندما يجتمع في الأرض، أما إذا قيل كَرَع فلان في الماء؛ يَكْرَعُ والمصدر كُرُوعا وكَرْعا: أي تناوله بفمه من موضعه مباشرة من غير أن يشرب بكفّيه ولا بإناء. ولا يختلف هذا المعنى عن مفهومنا بالعامّية، وإن اختلف النطق قليلا. والقَطاة مفرد القَطا وهي من أحذر الطيور، وتحتاج إلى شرب الماء يوميا حتى لو طارت مئات الكيلومترات في بحثها عنه. ومن حذرها أنها تطير قبيل الاقتراب من تجمعات المياه، كسرب تراقب المكان، بل إن بعض أنواعها تبقى محلّقة فوق الماء على هيئة دوامة فتتناوب في النزول بحيث تحط الطيور من الأسفل وتشرب ثم تطير إلى أعلى الدوامة فينزل غيرها وهكذا. وحينما تحطّ القطاة على الأرض وتباشر الشرب فهي تأخذ حاجتها من الماء على دفعات سريعة دون أن تغفل عن مراقبة المكان أو سماع أصوات التحذير التي قد يطلقها السرب المحلّق فوقها فتكون محتاطة لنفسها من مباغتة الأعداء. ويضرب هذا المثل الشعبي "كَرْعَة قطاة" في قصر وقت إنجاز الأعمال مع الحذر من الوقوع في الأخطاء، أو لعموم قصر وقت الأعمال. وفي هذا المعنى والدلالة كانت العرب تقول (حَسْو طير)، قال الشاعر:

ما أذوق النّوم إلا غِرَارا
مثل حَسْو الطّير ماء الثّمَاد

و الغِرَار: القليل من النوم وغيره. والثِّماد هي الحُفَر يكون فيها الماء القليل. أما الحسو فمن حَسَا، وحسا الطائر الماء حَسْوا: شربه شيئا بعد شيء.

ومن بين القطا نوع كبير يعرف باسم الكِدْرِي أو الجُوْنِي، وهو المفضل عند معشر الصيادين، لكنه أشدها حذرا فلا يعود مرة أخرى إلى مصادر المياه التي وردها إن لم تكن آمنة من وجود الجوارح. ولا يقترب من الماء -رغم حاجته إليه- إذا كان البشر من حوله، ولهذا كان الصيادون قديما يتبعون طريقة طريفة حيث ينبطح الصياد قبيل شروق الشمس قرب الغدير المتوقع أن يأتي إليه القطا متدثرا (بمشلح) ومتجهزا ببندقيته ويراقب من فتحة صغيرة من أحد أكمام المشلح منتظرا الفرصة، فإذا حطّ السرب وتأكد الصياد أن القطا بدأ "بعد شرب الماء" بغطس الصدور والأجنحة بالماء كي يبتل الريش من أجل حمل قطرات يسقيها أفراخه، حينها يدرك الصياد الماهر أن القطا في لحظة ضعف فيخرج ويرميها فيصيدها سريعا كـ"كرعة قطاة".

يتبع:
١٣- يا صايد القارور لا تامن العمى

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (فلان طير شلوى)

١١- فلان طير شلوى

بقلم وعدسة محمد اليوسفي
يُمدح الرجال بوصفهم بالشجاعة والإقدام والقوة والبذل، وقد يأتي ذلك بتشبيههم بالصقور، إما نسبة لما ينتظر أن تؤديه الصقور إلى أصحابها بعد تعليمها على الصيد مثل (فلان طير السعد، أو طير الفلاح) أو نسبة إلى الأماكن التي نشأت فيها الصقور (مواكرها الجبلية) مثل (فلان طير حوران، أو طير سنجار، أو طير غيمار). ومن أشهر الأمثال الشعبية القول (فلان طير شلوى)، وفي منشأ المثل ثمة أكثر من رواية، سأورد ملخصا لقصتين ثم أختم بالمعنى الحقيقي لطير شلوى.
الشائع في مصادر التراث الشعبي أن شلوى هذه امرأة فقيرة كانت تعول ثلاثة أحفاد أيتام صغار من ابنتها هم (شويش وهيشان وعدامة) وتسكن معهم في أحد مضارب قبيلة شمر (في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريبا)، وكانت الجدة تطوف في كل ليلة تطلب الطعام وتتودد للناس بقولها (ما عندكم عشاء لطويراتي) وتعني الأحفاد الصغار، ولما علم الشيخ الفارس عبدالكريم الجرباء بحالتهم أمر بإقامة بيت للجدة وأحفادها وتعهدهم بالرعاية، وكان يوصي خدمه عندما يقيم الولائم بقوله (لا تنسون طيور شلوى). وحدث - في وقت بلغ الأحفاد سن الشباب - أن حوصرت قبيلة شمر بين كماشتي ثلة من الجيش التركي ترغمهم على دفع الإتاوات ومضاعفتها وبين قبيلة أخرى طامعة في سلبهم، فتداول الجرباء الأمر مع رجاله وأجمعوا على عدم الخضوع وقرروا التصدي للأعداء، وكان الجمع وكبار السن يتساءلون عن الفرسان الذين سيشعلون شرارة البدء بالهجوم، فامتطى أحد أحفاد المرأة فرسا وهجم باتجاه الجيش التركي لوحدة صائحا (أنا.. وأنا طير شلوى)، فتبعه أخواه والقوم وكان لهم النصر، ويروى أن مسنا كان يراقب الموقف قال:

قالوا شويش وقلت لا لا عدام
او زاد هيشان زبون الملابيش

ما هو ردى بمدبرين الجهامة
لكن هوش شويش يالربع ما هيش

وثمة قصة أخرى تفسّر المثل (طير شلوى) جاءت في كتاب يوثق لتاريخ منطقة الجوف والحياة الاجتماعية لسكانها بعنوان أوراق جوفية لمؤلفه معاشي بن ذوقان العطية، والقصة لشاب اسمه محمد كان أبوه مقعدا طاعنا في السن طلب منه ذات يوم السعي في تزويجه بفتاة صغيرة، ثم عثر محمد على فتاة تسمى (شلوى)، وتقدم إلى أبيها الذي وافق ظناً منه أنه يريدها زوجة له. ولم يتراجع أبو شلوى لما علم أن الابن يريدها زوجة لأبيه. وعقب فترة قصيرة من زواج الأب توفي فرحلت شلوى إلى أهلها. ومضت الأعوام وفي يوم من أيام الصيف تجمعت عشائر بدوية على مورد ماء، وكلما مر محمد بهم صادف صبيا مع رجل يقسو عليه ويضربه دون رحمة، وشعر محمد بعاطفة غريبة تجاه الصغير ورقّ لحاله، بل بحث عن أهله ليخبرهم. وكم كانت المفاجأة لما علم أن أم الولد هي شلوى التي أخبرته أنها تزوجت هذا الرجل القاسي بعد موت أبيه مباشرة مؤكدة أن الابن من صلب أبيه لكن زوجها الحالي يرفض هذه الحقيقة.


وتخلص القصة إلى أن محمداً والرجل ومعهم الطفل ذهبوا إلى أحد العوارف، والعوارف (قديما) هم رجال حكماء بمثابة القضاة كان المتخاصمون حول أمر ما يقصدونهم فيستمعون إليهم ويكون الحكم الذي يصدرونه ملزما للطرفين. وكان العارف من قبيلة آل مرة استخدم فراسة إحدى بناته حيث طلب منها أن تأخذ الصغير ليساعدها في استعادة البَهَم (صغار الضأن) من المرعى، وتراقب حركاته وسلوكه ولما عادت إلى أبيها قالت: (أشهد إنه ولد عود وبكر بنت). والقصة طويلة تنتهي باستخدام العارف للحيلة والحكم بأن الصغير هو أخو محمد. وقد أشار مؤلف الكتاب إلى أن أشقاء شلوى كانوا (يعتزون بمقولة اخوان شلوى)، وفي شرحه قال: يبدو أن شلوى اشتهرت بعمل كبير مصدر إعجاب واعتزاز لأهلها، ولهذا تسمى العائلة باسمها. ويقال للرجل الموصوف بالكرم والشجاعة والنشاط وتقديم العون للمحتاج أخو شلوى أو طير شلوى. وليس في مصدر هذه القصة ما يشير إلى الحقبة التي حدثت فيها، ولا ما إذا كانت حقيقية أم خيالية، لكن المؤلف أوردها في فصل بعنوان "القصص التربوية التي يرددها الكبار".


وبصرف النظر عن دقة تفاصيل القصتين وأسماء شخوصهما هناك خلط في منشأ المثل، فالأقرب للصحة في معنى المثل (طير شلوى) هو التفسير الثالث الذي يقرن بين منطقة في بلاد فارس تسمى شلوى وصقور كانت تعيش فيها تتميز بالإقدام والقوة عندما تبطش بفرائسها. وكنت شاهدت حلقة من برنامج ديوانية شعراء النبط في تلفزيون الكويت استضاف معده ومقدمه حمد العزب (رحمه الله) عددا من الشيوخ والرواة والشعراء، وجاء في الحلقة تأكيد على بطلان نسبة المثل (طير شلوى) إلى قصة الجرباء مع تأكيد على أن شلوى اسم لمنطقة في بلاد فارس اشتهرت بوجود أفضل أنواع الصقور.
والخلاصة أن إطلاق المثل (فلان طير شلوى) تشبيه للممدوح بالصقور يدل على القوة والإقدام والشجاعة والبذل.

يتبع
۱۲- كرعة قطاة

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (فلان أذرق من صافرة)

١٠- فلان أذرق من صافرة

بقلم وعدسة محمد اليوسفي
 
للدلالة على الجبن قد تسمع من كبار السن قولهم إن (فلان أذرق من صافرة)، وأذرق بمعنى أخوف، أما الصافرة ففي العامية تختلف التفسيرات (باختلاف المناطق)، فقد بحثت ووجدت مَنْ يقول إن الصافرة هي القطط عندما تكون في فترة التناسل؛ حيث تطلق قبيل عملية التزاوج مواءها المتصل، لكن متى اقترب منها الإنسان، وهي في هذه الحالة، فإنها سريعة الهرب. وهناك من يقول إن الصافرة نوع من المفصليات الصغيرة، تُخرج صوتا في الليل يشبه الصفير، والمقصود بذلك ما يعرف باسم (الجُدْجُد) بحسب المصادر المتخصصة أو (صافر الليل) عند العوام، فإذا أتت دويبة أخرى لتفترس هذا الصافر فإنه لا يقاوم، وبالمناسبة صوت الجدجد هو الذي يُسمع في الليل في البساتين والحقول ووسط النباتات، ويستخدم - سينمائيا - في المشاهد الليلية وفي الأفلام الوثائقية أو في البرامج الإذاعية كمؤثر صوتي للإيحاء بالسكون. وهناك تفسير ثالث لكلمة صافرة في هذا المثل يقول به كبار السن في نجد، ولا يختلف قولهم عن معنى المثل وأصله في مصادر التراث العربي، فللصافر في الفصحى عدة معان منها اللص، والطير الجبان، وكل ذي صوت من الطير، وكل ما لا يصيد من الطير.
وفي تاج العروس جاء: «الصافِر طير جبان ينكّس رأسه ويتعلق برجله وهو يصفر خيفة أن ينام، فيُؤخذ، وبه فسّر بعضهم قولهم: أجْبَن من صافِر». وأرى أن المقصود بالصافرة في المثل ما يعرف في المصادر العلمية بالطيور الحبّاكة، التي تنسج أعشاشها بشكل أفقي أو مقلوب، وبالفعل هي لا تتوقف عن الصفير والجلبة في المكان الذي تستقر فيه، لكنها تفزع وينقطع صوتها وتطير من أدنى حركة أو صوت. وإذا قيل (فلان أذرق من صافرة) فهذا دلالة على شدة الجبن والخوف.

يتبع
١١- فلان طير شلوى

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (فلان.. رْخَمة)

٩- فلان.. رْخَمة

بقلم وعدسة محمد اليوسفي
 
في الأمثال الشعبية للإشارة إلى صفة الجبن بارتباطها بالطيور، تأتي كلمة أو مصطلح الرَّخَمَة، وهي فصيحة، أما في العامية؛ ففي منطقة نجد، يطلق على النسور بشكل عام الرّخَم، لكن أكثر ما يعرف باسم الرّخَمَة هذا النوع من النسور (الصورة) الذي يسمّى النّسر المصري بحسب المصادر المتخصصة في الطيور. ورغم كبر حجمه فهذا لا يعني التفوق ولا التميز بالقوة والإقدام، ومما قال الشاعر محمد الأحمد السديري:

طير السعد من كفه الدم شلال
بالمخلب السّاطي عطيب المضاريب

ولا يغرك بالرّخم كبر الازوال
وكبر النسور المهدفات المحاديب

والرّخمة نوع مميز شكلاً ببياض مائل إلى الأصفر، مع وجود خط أسود على طرفي الجناحين، وبرجلين عاريتين تبدوان كأنهما طويلتان. ومن قديم الشعر الشعبي قالت شاعرة من البادية تنتقد زوجها بعد أن اختارته من بين أقاربها متوسمة أن يكون شجاعاً قبل أن تنكشف الحقيقة بعد المعاشرة على عكس ما كانت ترغب:

شمت لك من لابتي لما لمومي
داخل في خاطري آخذك عشاقة

يا شبيه اللي على الرّمة يحومي
أبرق الجنحان رجلينه دقاقة

ففي البيت الأخير قالت له بإختصار: يا رخمة. ومما تُميّز به النّسور؛ وبخاصة النّسر المصري (الرخمة)، صفة الجبن، وهي لا تأكل إلا الجيف وما يتبقى من فرائس السباع، ولا تصيد لنفسها، على عكس العقبان والصقور المميزة بالقوة والجرأة وبالفتك بفرائسها من الطيور والحيوانات الصغيرة الحيّة. وإذا قيل: (فلان رخمة) فذلك يعني أنه جبان ولا يحسن التصرف لنفسه ولا لغيره. ويقال أيضا في المثل الشعبي: (فلان تأخذ عباته الرخمة) للرجل الموصوف بالجبن والخوف الشديدين، ولمن يُستدرج بسهولة.


يتبع
١٠- فلان أذرق من صافرة

الطيور في المثل والمفهوم الشعبي (فلان طير مْبَرْقَع)

٨- فلان طير مْبَرْقَع

بقلم وعدسة محمد اليوسفي
يقال في الأمثال الشعبية: (فلان طير مبرقع). وكلمة الطير عند جماعات الصيد بالصقور، تعني غالبا الصقر، فنادرا ما يقولون في أحاديثهم: صقري أو صقر فلان، بل طيري وطير فلان. والبرقع؛ هنا، عبارة عن غطاء مصنوع من الجلد يستخدم لستر عيني الصقر(الصورة) حتى لا يبصر ما حوله، ويعد أداة هامة للمحافظة على هدوء الجارح المدرب على الصيد والسيطرة عليه ومنعه من الطيران، لكن متى انكشف الغطاء (البرقع) في ميدان طلب طرائد الصيد، وأتيحت له الفرصة للتعقب والهجوم، فإنه في الغالب لا يخيب صاحبه لأن الإقدام والسرعة والقوة من الصفات المميزة للصقور. ولذلك إذا قيل في المثل الشعبي: (فلان طير مبرقع) فالمعنى أنه ذو صفات حميدة ومهارات وقدرات عالية حجب بروزها ظروف وعوامل خارجه عن إرادته.

يتبع
٩- فلان.. رْخَمة

الأحد، 24 أغسطس 2014

الطيور في المثل و المفهوم الشعبي (فلان طير ابن برمان للعقوق.. + مفاهيم الكَندَرة، وأبو حقب، والخَشَاش)

٧- فلان طير ابن برمان للعقوق.. + مفاهيم الكَندَرة، وأبو حقب، والخَشَاش

بقلم وعدسة: محمد اليوسفي

(طير ابن برمان) من قصص الأدب الشعبي مختصرها أن ابن برمان صياد عثر على فرخ من الطيور الجوارح فأخذه وتعهده بالرعاية والإطعام، فلما اكتمل نموه وشعر أنه أحسن تعليمه على الصيد خرج به ذات يوم إلى البريّة وأطلقه على حبارى ظنا منه أنه سيتعقبها ويصيدها، لكنه حام ثم انقض على حيّة (ثعبان) وعاد إلى صاحبه وهو ممسك بها بين مخالبه وأسقطها على رأسه بدلا من الحبارى. ولهذا صارت قصة (طير ابن برمان) مضرباً للمثل في العقوق ولمن يجد عاقبة سيئة ممن يُتوقع أن يأتي بفعل حسن. وهذه أبيات لأب يبدو أنه عانى من عقوق ابنه؛ واسمه عيد، حيث شبهه بطير ابن برمان فقال: 

يا عيد انا شيّبت والحيل بادي
هملتني يا بوك وعيالي صغار
يا عيد اشوفك في رداك متمادي
ما هوب لك مرة تراديد وامرار
غاذيك أبا صيدك ليالي الهدادي
يا طير ابن برمان يا ناقل الضار
كل غذى له طير واصبح وصادِ
وانا غذيت وصيدتي بس الاصفار
واللي قنص بالكندره ويش صادِ
وابو حقب ما ينقله كل صقار

وفي البيت الأخير ذكر الشاعر نوعاً من الطيور السيئة (في عرف الصقارين) هو (أبو حقب)، ونوعاً آخر من الطيور آكلة اللحوم هو (الكندرة)، فما هما؟ 

الكَندَرة اسم محلي (شعبي) لنوع من طيور البوم التي تعرف في المصادر العلمية باسم البومة العقابية. ويقال أيضا إن الكندرة اسم دارج لنوع من طيور الباز التي كانت تستعمل قديما في الصيد قبل أن يتركها الصيادون لما عرفوا أنها سريعة التنكر لأصاحبها. وكلمة الكَنْدَرَة في المعاجم (بالفتح في القاموس المحيط) والكُنْدُرة (بالضم في لسان العرب) فارسية تعني: ما غَلُظ من الأرض وارتفع، وكُنْدُرة البازي: مجثمه الذي يُهيّأ له من خشب. ومهما اختلفت أسماء البوم فهي طيور تعد - في ثقافتنا الشعبية - رمزا للشؤم والخراب والقبح. أما أبو حقب فهو نوع جارح "كبير الحجم" له ريش مختلط الألوان بين الفاتحة والداكنة، ويتميز بالتحليق والطيران معظم ساعات النهار أكثر مما تفعله بقية الجوارح، ورغم شبهه شكلا بالعقبان والصقور المميزة بالقوة والبطش بفرائسها فهو ليس مثلها في الجرأة والإقدام وسرعة الانقضاض، فيندر أن يصيد طريدة حيّة لنفسه. ولذلك يقال في المثل الشعبي (ابو حقب لا حصّل خير ولا سلم من التعب) لمن يسعى ويتعب في نيل مبتغاه ولكن دون تحقيق فائدة تذكر. وهناك مثل آخر يأتي بصيغة الاستفهام فقد يسأل أحدهم شخصا (صقر وإلا أبو حقب؟)، والمعنى هل النتيجة إيجابية أم سلبية فيما سعيت وتعبت وراءه. وبمناسبة الإشارة إلى الطيور "كبيرة الحجم"، فالعرب قديما كانت تصنّف الطيور بحسب علاقة الحجم بطبيعة المعيشة لعدة تصنيفات منها ما ذكر في مصادر التراث التي تبحث في علم الحيوان، فإجمالا هي إما (عتاق الطير كرامها) القوية كالعقبان والصقور التي تصيد لنفسها طرائد حية وتتصف بصفات جسمية تساعدها على البطش حين تقدم على الافتراس، وإما (بغاث الطير أو لئام الطير) الضعيفة وهي تلك الأنواع الكبيرة التي ليس لها مخالب معقفة كأنواع من النسور والغربان التي تتغذى بالرمم والنفايات وما يتبقى من لحوم فرائس السباع، وإما (خشاش الطير) وهي الأنواع الصغيرة التي ليس لها سلاح يمكّنها من الافتراس وهي غالبا تتميز بكثرة تناسلها. قال الشاعر:

خشاش الطير أكثرها فراخاً
وأم الصقر مقلاة نزور

والخشاش؛ تلك الكلمة التي أكثر ما أشيع استخدامها -مؤخرا- في سوق الأسهم (أيام طفرتها)، للإشارة إلى أسهم الشركات الضعيفة، وربما الوهمية، أو أسهم ذات قيمة متدنية، ولا يُعوّل عليها في الرهان على المكاسب، لها؛ أي كلمة الخشاش، في العربية معان عدة، منها؛ بحسب المعاجم، الخشاش: (الشّرار من كل شيء، وخص بعضهم بها الرديء وما لا يصيد من الطير). وعلى هذا المعنى فمصطلح الخشاش في سوق الأسهم، على طرافته، كان دقيقا في الدلالة.

يتبع
٨- فلان طير مْبَرقَع